(50) سورة البقرة – المعاني العميقة للمسجد الأقصى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخوتي وأخواتي في المجموعة، السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.
نحمد الله العليّ العظيم، ونصلّي ونسلّم
على نبينا الخاتم محمد ﷺ، ونسأل الله أن يرضى عن جميع الصحابة الكرام.
موضوعنا اليوم هو: التعرّف على المعاني العميقة للمسجد الأقصى.
معنى المسجد الأقصى وفضله
ورد لفظ “المسجد الأقصى” في سورة الإسراء،
والتي تُسمّى أيضًا سورة بني إسرائيل، إذ إن لهذه السورة اسمين. وقد أخبرنا ربنا
في القرآن الكريم باللغة العربية بقوله: المسجد الأقصى.
وكلمة الأقصى تعني “الأبعد”، ولذلك تُرجم
الاسم إلى “المسجد البعيد”.
أما عن هذا المسجد، فقد روى نبينا محمد ﷺ
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن شدّ الرحال لا يكون إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد
الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
ومن كتب التفسير نعلم أن المسجد الأقصى يقع
في مدينة القدس، والتي عُرفت بعد إبراهيم عليه السلام بأنها مهد الأنبياء.
ونعلم أيضًا أن نبينا محمد ﷺ أُسري به إلى
هذا المكان، ثم عُرج به إلى السماء، وبعد المعراج جمع الله جميع الأنبياء في هذا
الموضع، فتقدّمهم نبينا محمد ﷺ وصلى بهم صلاة الفجر. وهذا يدل على شرف هذا المكان
وفضله.
كما قال الله تعالى إنه بارك ما حول هذا
المسجد. وقد فسّر العلماء هذه الآية بأن الله بارك هذه الأرض، فجعلها خصبة كثيرة
الخيرات والثمار.
علاقة بني إسرائيل بالمسجد الأقصى
وفي سورة الإسراء التي ذُكر فيها المسجد
الأقصى، والتي تُسمّى أيضًا سورة بني إسرائيل، ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه أنه قال:
“سورة بني إسرائيل، وسورة الكهف، وسورة مريم
من العتاق الأول، وهنّ من تلادي”.
وفي مسند الإمام أحمد، ورد أن النبي ﷺ كان
يصوم حتى يظن أصحابه أنه لا يفطر، ويفطر حتى يظنوا أنه لا يصوم، وكان يقرأ كل ليلة
سورة بني إسرائيل وسورة الزمر.
وتدل هذه الأحاديث على العلاقة الوثيقة بين
بني إسرائيل والمسجد الأقصى.
وفي صحيح البخاري أيضًا، سأل الصحابي أبو
ذر رضي الله عنه النبي ﷺ: أي مسجد وُضع في الأرض أولًا؟ فقال: المسجد الحرام. قال:
ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قال: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة.
وقد فسّر العلماء ذلك بأن المسجدين قد
بناهما آدم عليه السلام، وقيل إن الملائكة هم الذين بنوا المسجد الأقصى، وقيل إن
إبراهيم عليه السلام جدده، وأشهر الأقوال أن سليمان عليه السلام هو الذي أعاد
بناءه. كما جُدّد المسجد بعد زمن الصحابة رضي الله عنهم.
وللمسجد الأقصى اسم آخر هو: بيت المقدس، أي
البيت المقدّس.
إبراهيم عليه السلام وبداية النعمة
أما العلاقة بين بني إسرائيل وهذا المسجد،
فإن إبراهيم عليه السلام نال فضلًا من الله، وكان له ابنان: أوكل إلى ابنه الأكبر
رعاية المسجد الحرام، وبشّره الله بإسحاق ويعقوب عليهما السلام. وقد سمّى الله
يعقوب عليه السلام بـ “إسرائيل”، ومن ذريته جاء بنو إسرائيل.
وقد ورد في سورتي البقرة ومريم أن الله
أنعم على بني إسرائيل، وأرسل إليهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب السماوية.
والدرس الذي نتعلمه هو أن الإنسان حين ينال
نعم الله، فإن رب العالمين خلق الخلق بالحق، وبه يهديهم ليعرفوه ويعبدوه، فينالوا
الخير في الدنيا والآخرة.
ومن هنا نتخذ إبراهيم عليه السلام نقطة
انطلاق لفهم النعم التي نالها البشر قبله وبعده.
انحراف البشرية قبل إبراهيم
فالبشر قبل إبراهيم عليه السلام وقعوا في
الشرك، حيث لم يدركوا توحيد الله إدراكًا كاملًا. وبعد نزول آدم عليه السلام إلى
الأرض، ورغم معرفته بالأشياء، فإن ذريته حين واجهت الحياة المادية، سعت وراء الرزق
والنعم المقدّرة، مع أن الله خلق الكون بالحق، وجعل فيه ابتلاءً بالخير والشر.
وعندها ظهر نوعان من المشركين:
نوع يؤمن بوجود الخالق، لكنه يظن أنه لا
يستطيع الوصول إليه، فيجعل له شركاء يعبدهم ظنًا أنهم وسطاء. فيدعون هؤلاء الشركاء
بدلًا من الله، دون أن يدركوا أن الله سبحانه له ذات لا تُحدّ بزمان ولا مكان،
وأنه سميع قريب يجيب الدعاء أينما كان الإنسان.
وهذا النوع من المشركين وقع في الشرك في
ربوبية الله، فصار يدعو غيره ويجعل له أندادًا.
أما النوع الثاني: فهم
الذين لا يعرفون أصلًا أن هناك خالقًا وربًّا مدبّرًا، ويظنون أن هذا العالم لا
نهاية له، ولا يؤمنون بيوم القيامة، وإنما يعتمدون على الظنون والتخمينات.
فيتصوّرون الكون بعقولهم القاصرة، ويرون أن النفس البشرية يمكن أن ترتقي، فمن
ارتقت نفسه فهو عندهم شريف، ومن لم ترتقِ فهو وضيع، فابتدعوا عقيدة التناسخ. وهذا
من صور عبادة الأصنام، إذ جعلوا الإنسان نفسه في منزلة تُشابه ما يُعبد، فنسبوا
إليه صفات تُعبد من دون الله.
اصطفاء إبراهيم وابتلاؤه
وقبل إبراهيم عليه السلام، كان الأنبياء
مثل نوح وهود عليهما السلام وغيرهما، قد أُرسلوا إلى أقوامٍ كانوا جميعًا من عبدة
الأصنام. وكذلك في زمن إبراهيم عليه السلام، كانت عبادة الأصنام منتشرة.
فاختاره الله برحمته واصطفاه، وأراه ملكوت
السماوات والأرض، فشهد أن جميع المخلوقات هي آيات تدل على ربوبية الله، وأنه لا
يجوز أن يُشرك به أحد في ربوبيته.
ثم ابتلاه الله بأن يأمره بذبح ابنه، فنجح
في هذا الابتلاء.
وبعد ذلك رفع الله قدره وقدر ابنه، وجعلهما
يقيمان قواعد أول بيت وُضع للناس، وجعل ابنه الأكبر قائمًا على رعاية هذا البيت
المبارك.
سنة الابتلاء والحرية
وبعد أن ابتلى الله إبراهيم عليه السلام
فامتثل لأمره وخضع لمشيئته، أكرمه الله مرة أخرى، فبشّره بابنه الثاني إسحاق، ثم
بشّره بحفيده إسرائيل، واسمه يعقوب عليه السلام.
وقد اختار الله نسل ابنه الثاني، وسمّاهم
بني إسرائيل، وجعلهم آية من آياته، ليكونوا شاهدًا على بعث الإنسان بعد موته.
فالله سبحانه، مالك الملك والمتصرف في شؤون
العالمين، هو رب يوم الجزاء، وعلى البشر أن يشهدوا بهذه الحقيقة، وأنه وحده صاحب
الملك الذي لا يُغالب، وهو الحرّ المطلق.
وجُعل بنو إسرائيل آية ليشهدوا بأن الله هو
الرب المدبّر، وأن له صفة الكلام، وأن كلامه يتضمن أوامره وإرادته الحرة.
الحرية والاختيار
وبما أن الله حرٌّ مطلق، فقد منح الإنسان
والجن نوعًا من الحرية النسبية، وأمرهم أن يشهدوا له، بأن يلتزموا بأوامره ويخضعوا
لإرادته، وينظّموا حياتهم في الدنيا وفق ذلك، حتى يكونوا في الآخرة من أهل الشهادة.
وبذلك يكتسبون صفات كمالية نسبية، لأن الله
هو الملك الكامل وحده، المنزّه عن كل نقص، وكل ما سواه يتصف بالكمال النسبي إذا
التزم بأمره.
أما إذا لم يلتزم الإنس والجن بكلام الله،
ولم ينظّموا سلوكهم وفق أوامره، وسعوا وراء متاع الدنيا دون طاعته، فإنهم في
الآخرة، حين تزول عنهم الحرية، سيشهدون على أنفسهم بالخطأ، وأن جميع اختياراتهم
كانت ناقصة، وسيقرّون بذلّهم وهم في النار.
الكتب الثلاثة
لقد اختار الله بني إسرائيل ليكونوا آية من
آياته، وأنزل عليهم ثلاث كتب سماوية، تهدف إلى تهذيب الفطرة الإنسانية وتوجيهها.
الأول: كتاب موسى عليه السلام، الذي جاء
ليمنع الإنسان من الوقوع في الفواحش والقبائح وارتكاب الشرور، إذ تضمّن معايير
الحلال والحرام، فكان ميزانًا لضبط السلوك الإنساني.
الثاني: كتاب داود عليه السلام، وهو
الزبور، وكان على هيئة تسابيح وأذكار تمجّد الله، ليكون وسيلة يداوم بها الإنسان
على ذكر ربه بلسانه وأعماله، فيبتعد عن الكذب، ويضبط لسانه وفق ما يرضي الله،
وينصر الحق، ولا يستخدم لسانه ولا أفعاله في دعم الباطل أو النفاق.
الثالث: كتاب عيسى عليه السلام، حيث كان
عيسى وأهل بيته زاهدين في الدنيا، يدعون إلى بلوغ مرتبة الإحسان المطلق. فقد عاش
عيسى عليه السلام، وأمه مريم، ويحيى عليه السلام، دون زواج، وكرّسوا حياتهم لعبادة
الله وخدمة دينه. وكانت مريم عليها السلام مثالًا في ملازمة المحراب وخدمة بيت
العبادة، مما يجسد التضحية في سبيل الله، والإحسان للناس، وإظهار صفات الخير
المطلق في النفس الإنسانية.
العبادة والصلاة
ومن خلال ذلك نفهم أن هذه الكتب الثلاثة
التي أُعطيت لبني إسرائيل تهدف إلى حماية النفس من وساوس الشيطان، ومن قيود العقل
الناقص الذي يمثله إبليس، وكذلك من الانقياد للأهواء. والغاية هي أن يبلغ الإنسان
صفات الطهارة والسمو الروحي.
وكيف يتحقق ذلك؟
يتحقق من خلال تلقي هداية الله، والالتزام
بكلامه، وتنظيم الحياة وفق أوامره.
كما جعل الله في هذا القوم عبادة الصلاة
سمة أساسية، لأن الكتب السماوية تُتلى وتُتذكّر في الصلاة، فيتحقق بها أكمل أنواع
التربية.
القبلة والاختبار
ولأن الله أراد أن يجعل بني إسرائيل آية
تدل على صفاته من السمو الروحي، والإرادة الحرة، وصفة الكلام، فقد جعل لهم قبلة
يتوجهون إليها في عبادتهم، وهي البيت المقدس.
فمنهم من حقق الشهادة بأن الله هو المدبّر
الوحيد، المنزّه عن الشرك، وصاحب الإرادة المطلقة، فهؤلاء بلغوا صفات الطهارة
الحقيقية، فكانوا موافقين لمعنى اسم هذا المسجد: البيت المقدس.
أما من لم يحقق عبادة الله حقًا، ولم ينتفع
بهداية الكتب السماوية، فإنه ينحرف قلبه، ولا يكون طاهرًا، فيخالف بذلك معنى
“البيت المقدس”.
وقد جعل الله هذا المسجد آية، ليكون أهل
الطهارة الحقيقية دليلًا على توحيده الخالص، الخالي من أي شرك.
أما الذين لم يبلغوا حقيقة الطهارة
الروحية، فإنهم يقعون في نوعين من الشرك...
نسأل الله أن يجعلنا من الشاهدين على تحرير
المسجد الأقصى، آمين.
هذا ما تيسّر عرضه، وما كان فيه من خطأ أو
تقصير فنسأل الله أن يغفره، ونرجو منكم المعذرة، وجزاكم الله خيرًا.
تعليقات
إرسال تعليق