(49) سورة البقره – الأمة الوسط" — أُمَّةً وَسَطًا — معنى الشرف والمكانة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أيها الإخوة والأخوات في المجموعة
الحمد لله العليّ العظيم، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن جميع الصحابة الكرام.
موضوعنا اليوم: التعرف على معنى الأمة الوسط.
وسنتناوله بالدرجة الأولى من خلال الآية الكريمة الثالثة والأربعين بعد المئة من سورة البقرة، إذ يقول لنا ربنا جل وعلا
"وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"
أولاً: شرح مصطلح "أُمَّةً وَسَطًا"
سنتناول بالشرح والتفسير مصطلح "الأمة الوسط" الوارد في هذه الآية الكريمة، واستخراج ما ينطوي عليه من معانٍ عميقة.
"الأمة الوسط" هو المعنى المُترجَم للتعبير، أما نصه الأصلي فهو آثر كثير من العلماء نقله صوتيًا دون ترجمة، إذ إن ترجمته بـ"الأمة" وحدها قد تُضيّق مدلوله؛ لذا كثيرًا ما نسمع في الخطاب الديني عبارة (أمة محمد )
وقد تناول العلماء تفسير هذا المصطلح من زاويتين:
الزاوية الأولى: أن أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أُكرمت بقبلة شريفة، هي قبلة النبي إبراهيم عليه السلام، وفي هذه القبلة يكمن مفتاح فهم معنى الأمة الوسط.
الزاوية الثانية: أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد حظيت بنعمة عظيمة، وهي أن تكون شاهدةً على البشرية، فيما يكون الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدًا عليها.
وانطلاقًا من هذا الشرف الرفيع لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ندرك المعنى الحقيقي لقوله تعالى: أُمَّةً وَسَطًا.
________________________________________
ثانياً: النعمة الأولى — قبلة النبي إبراهيم
نبدأ بالتعرف على النعمة الأولى المتمثلة في الحصول على قبلة النبي إبراهيم عليه السلام، لنستوعب من خلال شرف هذه القبلة معنى "الوسط".
فقد أنعم الله على نبيه إبراهيم عليه السلام بنعم جليلة، وقد بدأ الحج من عهده؛ ومن هنا تتجلى الصلة الوثيقة بين الصلاة والحج، لا تنفصم عراهما.
فالصلاة هي سجود الإنسان وخضوعه بين يدي ربه، إذ الإنسان أشرف ما خلق الله في هذا الوجود. أما الملائكة فخلق بالغ الكرامة: يتولون الإشراف على الجنة والنار، ويحملون العرش العظيم، وقد أُوكل إليهم في عوالم المادة والأرواح تدبير الشؤون وتنفيذ الأوامر، فضلًا عن تلقّيهم وحي الله وتبليغ الكتاب إلى البشر وتنفيذ أوامره وإرادته في الكون.
وبالرغم من كل هذه المكانة الرفيعة، حين خُلق أول إنسان أُمر الملائكة بالسجود له، مما يُثبت علوّ منزلة الإنسان. والإنسان بدوره — وهو أيضًا خلق من خلق الله — مأمور بالسجود لربه. والبشرية جمعاء، منذ أول مولود إلى آخر من يُولد قبل قيام الساعة، مجتمع هائل الاتساع. وهذا الجمع الكبير الذي أُكرم بالصفات الشريفة والخصائص الكريمة، كان لا بد أن يُشرَع له ما يُقيم به عبادته لله؛ فأعطاه رب العالمين المعبود الحق صلاةً تليق بهذه المكانة .
فربنا خالق الكون — جل جلاله — ذاتُه العليّة منزّهةٌ عن تقييد الزمان والمكان وسائر الحدود والمقولات؛ فكيف للإنسان إذن أن يسجد له؟ وقد أخبرنا ذلك الإله الحق أننا سنرى ذاته في الآخرة، غير أننا نعيش في عالم المادة — فكيف يتأتّى لنا في هذا المستوى وهذه الحال أن نسجد له؟
فأعطانا قبلةً: بيتًا أمر البشر بتشييده، أول بيت وُضع للناس، البيت الحرام.
________________________________________
دلالتا البيت الحرام
وللبيت الحرام دلالتان، يحمل في طيّاته آيتين:
الآية الأولى: أن الإنسان حين يسجد لربه يُصدر شهادةً — شهادةً بأن للرب ذاتًا حقيقية، وأن كل شيء فانٍ سواه، وأن ذاته وحدها باقية خالدة أبدًا. فالإنسان بعبادته يغدو آيةً من آيات البيت الحرام، وعلامةً من علامات ذكر الرب، شاهدًا على أن للرب ذاتًا قائمة بنفسها. فإذا بلغ الإنسان درجة اليقين تجلّت فيه آية، وعلم أن رب العالمين المحيي المدبّر سيبعث الخلق يوم الحساب.
الآية الثانية: أن الإنسان يرى في البيت الحرام آيةً أخرى — فله عبادة يتوجّه بها إلى ربه، وما يعمله من خير لا يبتغي به إلا قبول الرب وحده؛ فكل عمل صالح يغدو بذاته آيةً من آيات الرب. ولمّا كان الإنسان لا يُشرك بربه أحدًا في أي عمل من أعماله، وجب أن يحمل البيت الحرام شهادةً أخرى: أن من سجد لربه وبلغ اليقين سيدخل الجنة حقًّا، وأنه سيرى في الجنة رب العالمين الرحمن الرحيم. لذا ينبغي أن نرى في البيت الحرام ثمرة ذكر الإنسان لربه متجلّيةً في عبادته آيةً من آياته، حتى يبلغ اليقين بأن رؤية الرب حق لا ريب فيها.
________________________________________
إبراهيم عليه السلام والآية الأولى
لمّا بُعث النبي إبراهيم عليه السلام، أصبح للبشرية أول هذه الآيات. فقد كان هو ومن قبله من الناس يعيشون أعمارًا مديدة، يُنفقونها في طاعة ربهم وابتغاء رضاه، أي أنهم كانوا يُصدرون شهادتهم ويسعون إلى جزاء البعث الأبدي في الآخرة. وإذا نشد الإنسان هذا الجزاء فلا بد أن يؤمن بفناء كل شيء، لأن الدنيا زائلة، ولأن الحياة الحقيقية الخالدة هي تلك التي تأتي بعد البعث والإحياء. فالإنسان إذ يتعرّض للنعم في الحياة المادية بروحه المودَعة في جسده، يشهد بهذه الروح أن لا شيء يستحق العبادة، وأن كل شيء إلى فناء، وأن ذات الرب وحدها حيّةٌ باقية دائمة.
ولهذا قبل إبراهيم عليه السلام أن يُلقى في النار ولم يسجد لصنم دون الله، ثم نفّذ أمر ربه بذبح ابنه — مُقدِّمًا روحه وروح أحبّ الناس إليه شهادةً على أن الله وحده هو الحي الذي لا يموت، وأنه يسعى إلى الحياة الأبدية التي يُحييها الرب يوم البعث. ولذا نرى في البيت الحرام هو وابنه، وقد أنعم الله عليهما برفع قواعد البيت، فأُعطي إبراهيم مقامًا خاصًّا به؛ ومن هنا نرى في مناسك الحج أن كل من يطوف يقف عند مقام إبراهيم ويُصلي ركعتي السنة .
ثانيًا: ينبغي للإنسان كذلك أن يُصدر شهادةً أخرى — وهي اليقين بأن رؤية الرب في الآخرة حقٌّ ثابت. ولا بد لذلك من علامة تدل على أن الرب قد قَبِل أعمال الإنسان الصالحة، وهي القربان .
ذلك أن كل خير يناله الإنسان ينبغي أن يشهد بأنه من فضل الرب ورحمته، وأن يكون آيةً على صفة الخير التي يتصف بها الرب سبحانه؛ فلا يُشرك بالرب أي مخلوق تظهر فيه صفة الخير مهما كانت، إذ صفاته وأسماؤه الحسنى وكمالاته لا يجوز أن يُشارَك فيها أحد. فإذا تحققت هذه الشهادة وبلغ الإنسان اليقين بأن رؤية الرب في الآخرة حق، وجب أن تكون في البيت الحرام وما حوله آياتٌ تدل على قبول الرب لأعمال عباده الصالحة، وأن القربان قد نال رضاه وقَبوله.
________________________________________
نبيّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم قال
"كل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر"
كما رواه جابر رضي الله عنه
وعليه، فإن مكة المكرمة ومنى والصفا والمروة عند البيت الحرام كلها مواضع يشهد فيها الإنسان على قبول ربه لأعماله الصالحة من خلال النحر والذبح .
________________________________________
ولنأخذ الصفا والمروة مثالًا على ذلك.
فقد توكّلت هاجر زوج النبي إبراهيم عليه السلام على ربها وانقادت لمشيئته، وكذلك فعل ابنها إسماعيل عليه السلام؛ فأنعم الله عليهما وجعلهما حُرّاسًا للبيت الحرام. فلمّا حلّا بذلك المكان وأصابهما هذا الفضل الرباني، جاء الناس وافدين إلى البيت، حتى إن إسماعيل عليه السلام تزوّج من ابنة زعيم قبيلة جُرهُم التي نزلت في ذلك المكان، مما يدل على أن الناس قد قدِموا إلى البيت الحرام ثم أصبحوا من حُرّاسه وعبّاده.
ومن هنا ندرك أن هؤلاء الناس كلهم لم يكن لهم في صالح أعمالهم إلا نيّة واحدة
. لا غير ابتغاء قبول الرب
فقد قَبِل الرب أعمالهم الصالحة وأبقى آثارًا تدل على العبادة الخالصة له — عبادةٍ لا يُشرك فيها بالرب أيُّ خير ناله الإنسان، ولا أي مخلوق في الكون تظهر فيه صفة الخير — شهادةً على إيمان الإنسان، وإيمانه بأن رؤية الرب في الآخرة حق: رؤية ذلك الرحمن الرحيم، رب العالمين، مالك الملك، القدوس المعبود. هذا حق ثابت، وقد أبقى الله على هذه الآيات الشاهدة
فالبيت الحرام إذن يحمل في طيّاته معنيين
• الأول:
• أن الإنسان بعبادته يشهد ألّا يُشرك بالرب في ذاته شيء.
• الثاني:
• أن الإنسان بعمله الصالح يشهد ألّا يُشرك بالرب في صفاته وأسمائه الحسنى وكمالاته، مُؤمنًا بأنه سيراه في الآخرة
وفي البيت آيتان، وهذا ما جعل الحج فريضةً عظيمة للبشرية منذ عهد إبراهيم عليه السلام.
________________________________________
فضل الصلاة
والآن نتأمّل فضل الصلاة.
فالإنسان مأمور بالسجود لربه، وفي هذا السجود ينبغي أن يعلم: أن خالق الكون يمتلك ذاتًا حقيقية، خلق هذا العالم وسيُفنيه، وهو سبحانه لا تحدّه قيود الزمان ولا المكان ولا أي حد آخر. فكيف إذن يسجد له الإنسان؟
فأقام الله للإنسان بيتًا، وأمره أن يتوجّه نحوه بالسجود
وفي سجوده يُصدر الإنسان شهادةً أخرى، إذ الصلاة عبادة خالصة لله وحده؛ فيعلم المصلي أن هذا الرب المعبود الخالق يمتلك صفاتٍ وأسماءً حسنى وكمالاتٍ لا يجوز أن يُشارَك فيها أحد. وهو سبحانه حقٌّ ثابت، وسيُتيح للإنسان رؤيته بعد البعث ليشهد بنفسه على هذه الصفات والأسماء
أما السجود الثاني فمبنيٌّ على أن الإنسان لا يستطيع رؤية ربه في الدنيا — فكيف يسجد له والحال كذلك وهو لن يراه إلا في الآخرة؟ فأمره الله أن يسجد متوجّهًا نحو بيته. لذا لا بد أن يحمل هذا البيت معنيين
• بلوغ ذكر الرب ذي الذات الحقيقية واليقين بلقائه.
• وأن رؤية الرب في الآخرة حق، وأن صفاته وأسماءه الحسنى لا يجوز أن يُشارَك فيها أحد
وحين اكتملت هذه الشريعة الكاملة وأصبحت مناسك الحج شعيرةً راسخة للبشرية، صار السجود يجب أن يكون متوجّهًا نحو هذا البيت الحرام
________________________________________
فلمّا أراد الله أن يُتمّ نعمته على البشرية بدينه الإسلام، تضمّن هذا الدين الحج والصلاة؛ فالصلاة تقتضي السجود، والحج يقتضي التجمّع في مكان واحد لا في أماكن متفرقة. ذلك لأن خالق الكون واحد أحد، فلا بد أن يكون المكان واحدًا: سواء أكنت ساجدًا متوجّهًا نحوه، أم زائرًا بيته طالبًا قبوله، ليكون هذا في الدنيا آيةً ودليلًا على اليقين بلقائه والإيمان برؤيته في الآخرة. فيجتمع كل الصالحين في هذا البيت ليُصدروا شهادتهم بعدم الإشراك به، وتُقام هذه الشعيرة العظيمة في هذا البيت جميعًا
حين لم يكتمل بعدُ دين الإسلام الذي شرعه الله — أي أن منظومة التكليف والجزاء والعبادة وابتغاء الثواب لم تبلغ كمالها بعد — كان الإنسان في تلك المرحلة ما زال في طور ترقية الروح وتزكيتها، ويسعى إلى جعل روحه ظاهرةً طاهرة مقدسة، وإلى ترويض نفسه وضبطها حتى لا تنجرف وراء إغراءات المادة، وألا تتبع هواها وشهواتها، بل تبلغ درجة النفس المطمئنة
وفي هذه المرحلة أنزل الله ثلاثة كتب، يهدي بها أمةً عُرفت ببني إسرائيل. وكانت القبلة التي أعطاها الله لتلك الأمة هي القدس — وهو يعني القداسة وطهارة الروح؛ فقد سمّى الله جبريلَ عليه السلام بـروح القدس.
وفي تلك المرحلة رحم الله بني إسرائيل فأنزل عليهم الكتب، ليُزكّوا بها نفوسهم — تلك النفوس التي تنطوي في داخلها على النزوع نحو المادة تارةً وعلى السمو الروحي تارةً أخرى — خطوةً خطوة، حتى تتجلى الأعمال الصالحة في النفس ذاتها، وتبلغ بتلك الكتب درجة التطهر والقداسة. فلمّا رُفع عيسى عليه السلام، توجّه أبناء تلك الأمة بقبلتهم نحو بيت القداسة
المسجد الأقصى
________________________________________
وبنو إسرائيل لم يكن لديهم كتاب شامل جامع، بل أنزل الله عليهم الكتب متفرقةً متتابعة لترقية أرواحهم تدريجيًّا؛ إذ كانت كل فئة منهم تسلك في ترقية روحها مسلكًا مختلفًا. فكتاب موسى عليه السلام يشهد على ذلك بوضوح: فقد تحرّر الناس بسببه من سيطرة الجن ورق السحر، إذ كان الساحر يخضع للجن ويستجيب لأوامره في ممارسة السحر؛ فلمّا سجد السحرة لله ضحّوا بأنفسهم وتركوا السحر نهائيًّا، وكان ذلك شاهدًا بيّنًا.
وفي عهد سليمان ابن داود عليه السلام سُجنت شياطين الجن، وسُخّر بعضها للغوص في البحار لاستخراج اللآلئ، وبعضها لصناعة الأواني وإصلاح الأطباق وبناء المنشآت ونقل العروش، وكانوا يُسبّحون بحمد الله بكرةً وعشيًّا. فسليمان عليه السلام لم يكتفِ بالصلاة والصيام فحسب — إذ سلك طريق أبيه داود — بل كان لسانه لا يفتر عن ذكر الله، لأن الزبور ديوان تسبيح وتحميد لله، وكان يحفظه ويديم تلاوته. فبهذه الطريقة رقّى روحه وسيطر على الشياطين، وظلّت روحه في حال من القداسة الدائمة.
________________________________________
أما في عهد عيسى عليه السلام وآل عمران، فقد بلغ الأمر ذروته: إذ خاطبت الملائكة أفراد تلك الأسرة مباشرةً وبشّرتهم، وكانت مريم عليها السلام ترى جبريل عليه السلام رأي العين. فأنزل الله بتلك الكتب الثلاثة تزكيةً لأرواحهم حتى تبلغ نفوسهم صفة القداسة؛ إذ إن النفس حين تطمئن تتجلى فيها صفة قداسة الروح
ولمّا كانت هذه الأمة مقسّمة إلى اثني عشر سبطًا — جعل الله لكل سبط طريقته في تزكية روحه: فسبط يزكي روحه بكتاب موسى، وآخر بالزبور، وآخر بالإنجيل — وكانت هذه التزكية جزئيةً لا شاملة، تستنهض صفة قداسة الروح في جانب دون
آخر —وقد أعطاهم الله قبلةً تناسب هذه المرحلة
بيت المقدس، بيت الله الطاهر، الذي يُسمّى في الصلاة والسجود المسجد الأقصى .
حين أكمل الله دينه، أنزل للبشرية كتابًا جامعًا شاملًا هو القرآن الكريم، مصدِّقًا لجميع الكتب السابقة ومهيمنًا عليها. ومعنى الهيمنة: أن ما وافق القرآنَ من تلك الكتب فهو من عند الله وحق باقٍ، وما خالفه فقد دخله التحريف وخُلطت به كلام البشر، فيجب تركه ورفضه.
________________________________________
فضل القرآن الكريم: الهداية في مسارَين معًا
وفضل القرآن الكريم يسير في مسارين متوازيين في آنٍ واحد
المسار الأول:
الإنسان يمتلك حياةً، فكيف يرفع شأن هذا القرآن؟ إن الحياة التي تُنفَق في العمل الصالح تُرسّخ اليقين بأن لقاء الرب حق؛ لأن من رفع شأن هذا القرآن فقد رفع معه مضامين جميع الكتب السابقة، فتزداد حياته جمالًا وسموًّا
وكل من رفع شأن كتابه في الأمم السابقة إنما رفع كتابًا واحدًا؛ أما من أُوتي القرآن — وقد تكفّل الله بحفظه وأراد أن يرفع كلامه على أيدي عباده — فإن الكلام الذي يرفعه يجمع في طيّاته ما رفعه أصحاب الكتب الثلاثة السابقة مجتمعين. لذا فإن صلاح حياته يفوق صلاح حياة أولئك جميعًا، وهذا التفوق يتجلّى في المضمون الأول من مضامين الأمة الوسط
المسار الثاني:
القرآن الكريم يُزكّي الروح تزكيةً شاملة كاملة في آنٍ واحد. فليس كالكتاب الأول الذي يُعلّم الإنسان كيف يتحرر من سيطرة الجن، ثم الكتاب الثاني يُعلّمه كيف يُسيطر عليهم، ثم الكتاب الثالث يُعلّمه كيف ينال شرف التعامل مع الملائكة — بل يُحقق القرآن كل ذلك معًا دفعةً واحدة
فقداسة روحك تُصان بأن الله في شهر رمضان يُكبّل الشياطين مباشرةً، لأنك مُقبل على تلاوة القرآن وتدبّره وتطبيقه. بل إن الشياطين تفرّ حين تتلو القرآن. وإذا تدبّرت القرآن وعملت بأحكامه، فإن بعض الجن يُسلمون — وإن خفي ذلك عنك — والله يعلمه. فكثير من الناس حين يتلون القرآن ويتدبّرونه ويُفسّرونه، يسلم الجن على أيديهم، وهذا حق ثابت.
وفوق ذلك، تنضم الملائكة إليك في ذكر الله؛ فالله سمّى القرآن ذِكرًا، وحين تتلو القرآن وتتدبّره وتعمل به، تبحث الملائكة عن حِلَق الذكر لتشارك فيها، والله عليم بكل شيء!
فأمة القرآن — أمة محمد صلى الله عليه وسلم — ما أعظم قداسة أرواحها! يرفعون هذا الكلام بحياتهم، وحين يتدبّرون القرآن ويعملون به، لا تزكى أرواحهم وحسب، بل تنضم إليهم مخلوقات العوالم الغيبية في تسبيح الله وتمجيده.
أفلا تستحق هذه الأمة بحق أن تُسمّى الأمة الوسط؟
والآن نتعلم من الأحاديث النبوية الشريفة ما يتعلق بشرف أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعدالتها.
ففي صحيح البخاري يقول نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم
"يُدعى نوح يوم القيامة، فيقول الله له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فتُدعى أمته فيُقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير وما أتانا من أحد. فيقول الله لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته."
وهذا هو المعنى المقصود بقوله تعالى:
"وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"
. ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم
"والوسط
: العدل. فتُدعَون فتشهدون أنه قد بلّغ، ثم أشهد عليكم."
________________________________________
أما الحديث الثاني فمن مسند الإمام أحمد، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم
"يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك وأقل. فيُدعى قومه فيُقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيُقال له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيُقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيُدعى محمد وأمته فيُقال لهم: هل بلّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيُقال: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا فأخبرنا أن الرسل قد بلّغوا."
وهذا هو المراد بقول الله عز وجل: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا."
________________________________________
وإنما كان أتباع محمد صلى الله عليه وسلم أهلَ القرآن الكريم لأن القرآن ذكر أبرز الأنبياء والمرسلين وما حملوه من رسالات، وعدّ منهم خمسةً وعشرين نبيًّا ورسولًا. فهؤلاء الناس حقٌّ لهم أن يكونوا الأمة الوسط، إذ القرآن كتاب شامل جامع، وهم بطبيعة الحال يشهدون على كل ما سبق من هدايات كانت تُرشد البشر إلى الخير وتُقيّدهم بحدوده. ونبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين الجامع، وأتباعه قادرون على الشهادة على رسالات الأنبياء السابقين، مما يُجلّي صفة العدالة في هذه الأمة ويُثبتها إثباتًا قاطعًا.
وهذه الأمة — إذ تسير بجسدها وروحها معًا في طريق الخير، من خلال رفع شأن القرآن والعمل بأحكامه — تنال فضلًا عظيمًا. وبطبيعة الحال، فإن الرفع الحقيقي للقرآن والعمل الصادق به لا ينفصلان البتة عن قول نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم وفعله وسنّته الشريفة
فنسأل الله أن يُثبّتنا على التمسك بكتابه الكريم واتباع سنة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا من عباده الوسطاء العدول. آمين
هذا ما تيسّر تقديمه لهذا اليوم. وما كان فيه من غموض أو زلل في اللسان، فنستغفر الله عليه، ونعتذر من إخواننا في المجموعة.
تعليقات
إرسال تعليق