(48 )سورة البقره : أسرار اكتمال الحج في عهد محمد ﷺ بعد أن أُسِّس في عهد إبراهيم عليه السلام


بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

موضوعنا اليوم هو: أسرار اكتمال فريضة الحج في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أُرسيت أسسها في عهد إبراهيم عليه السلام، وسنتناول بالتحليل الحكمة الإلهية الكامنة وراء هذه المسيرة التكاملية. ولا بد أولًا من استحضار ما تنطوي عليه شعيرة الحج من آيات وعلامات تستوجب ذكر الله وتعظيمه.


تعليم جبريل عليه السلام لإبراهيم عليه السلام مناسك الحج

ففي عهد إبراهيم عليه السلام، أكرمه الله بأن أوفد إليه جبريل عليه السلام ليُعلّمه مناسك الحج بكل تفاصيلها ودقائقها. وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة البقرة، الآية الثامنة والعشرين بعد المئة:

﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

وقد أوضح المفسرون في شرح هذه الآية الكريمة أن إبراهيم عليه السلام لما رفع هذا الدعاء إلى ربه، استجاب الله له واستنزل رحمته، فأرسل إليه جبريل عليه السلام الذي أخذ بيده وانطلق به إلى الكعبة المشرفة، فأمره قائلًا: "ارفع القواعد من البيت." فأقام إبراهيم عليه السلام البناء ورفع أسسه، فلما أتمّه أخذ جبريل عليه السلام بيده مرة أخرى وسار به إلى الصفا والمروة، فأعلمه أن السعي بينهما من شعائر الله. ثم انطلق به إلى منى، فلما بلغا عقبة منى وجدا إبليس جاثمًا تحت شجرة، فعلّم جبريل عليه السلام إبراهيمَ رمي الجمرات مع التكبير، فامتثل إبراهيم عليه السلام لذلك فورًا. ثم أرشده جبريل عليه السلام إلى رمية ثانية بالتكبير، فانهزم إبليس وفرّ مدحورًا. وبعد ذلك أخذه جبريل عليه السلام إلى المشعر الحرام فعرّفه حدوده ومكانته. وختم الرحلة بالوقوف على صعيد عرفات، حيث توقف جبريل عليه السلام ثلاث مرات متتاليات يسأل إبراهيم عليه السلام: "هل عرفت ما أريتك؟" فأجابه إبراهيم عليه السلام في كل مرة: "نعم، عرفت"—وهو ما يُرجَّح أن يكون أصل تسمية المكان بـ"عرفات". وهذا كله مأخوذ مما أورده ابن أبي حاتم في تفسيره.

الأسرار الكامنة في فريضة الحج — التحليل العقدي والروحي

أولًا: لماذا بدأ الحج في عهد إبراهيم عليه السلام دون من سبقه من الأنبياء؟

وهذا يستدعي منا أولًا أن نستوعب المعنى الحقيقي لفريضة الحج؛ فهي ليست مجرد شعيرة تعبدية ظاهرة، بل هي في جوهرها منظومة متكاملة تجمع بين العبادة العملية ومعرفة الله—علم التوحيد—في آنٍ واحد.


ثانيًا: الإنسان كيانٌ مزدوج يعبد الله بكليّته

فالإنسان مخلوقٌ من بُعدين متلازمين لا ينفصلان: البعد الجسدي المادي، والبعد الروحي المعنوي. فقد خلق الله آدم عليه السلام من تراب ثم نفخ فيه الروح، فاكتمل بذلك كيانه. وكذلك كل إنسان يُولد من بعد؛ إذ ينفخ الله في الجنين روحًا تُضفي عليه بُعده الروحاني. وعلى هذين البُعدين معًا تقوم فريضة العبادة وتكتمل.

فالجسد في سعيه لنيل الخير والبركة في مواجهة عالم المادة، يشهد أن كل آية مادية محسوسة لا تستحق العبادة. والروح في تطلعها إلى الارتقاء والسمو، تشهد بدورها أن كل ما في العالم الروحاني—من ملائكة وجنٍّ وحور وولدان—ليس إلا آياتٍ تدل على الله لا تستوجب العبادة.

وكذلك الإنسان حين يسعى بجسده إلى فعل الخير، أو يصبر في مواجهة البلاء، أو تسمو روحه في درجات العبادة، لا ينبغي له أن يُشرك بالله شيئًا في شيء من ذلك؛ بل تكون جميع أعماله الصالحة خالصةً لوجه الله وحده، شاهدةً بأنه سبحانه هو الخير المطلق.


ثالثًا: الحج شهادةٌ شاملة على التوحيد

وحين يؤدي المسلم هذه الأعمال الصالحة—سواءٌ في بُعدها الجسدي أم الروحي—فإنه يرفعها إلى الله بنية واحدة جامعة: أن يصونه من عذاب يوم القيامة، وأن ينعم عليه بالجنة، وأن يُكرمه برؤيته سبحانه. وبهذا تكون أعماله الصالحة إعلانًا حيًّا بأن كل ما في عالم الغيب لا يستحق العبادة.

وهنا يتجلى جوهر فريضة الحج ومقصدها الأسمى: أن يشهد الحاج بكل جوارحه وبكل وجوده على أن لا معبود بحق إلا الله، وأن كل ما يحمل صفات الجمال والكمال من المخلوقات ليس إلا آيةً تدل على الله ولا تُشارك في ألوهيته. وأن كل عمل صالح لا يُبتغى به إلا رضا الله وحده، شهادةً بأن صفاته العلية وأسماءه الحسنى لا تقبل المشاركة ولا تحتمل المضاهاة.

فهذا هو المعنى الحقيقي الذي تبلغه فريضة الحج في أعمق أغوارها وأرفع مراتبها.

الحج بين شهادة الجسد وشهادة الروح — التحليل العقدي المعمّق

أولًا: شهادة الجسد — الذبح والتضحية والتوحيد المادي

وإذا قسّمنا الإنسان إلى بُعديه الأساسيين—الجسدي والروحي—تجلّت لنا حكمة بالغة في مناسك الحج؛ فالجسد بوصفه كيانًا ماديًّا يحمل في صميمه نعمة الحياة والروح، وأعظم ما يُقدّمه الإنسان المادي من شهادة على التوحيد هو أن يُقدّم نفسه قربانًا لله. وهذا بالضبط ما جسّده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حين استعدّا لتقديم أعزّ ما يملكان، شهادةً صادقة على أنهما لا يُشركان بالله شيئًا وأنهما يُنفّذان أمره مهما بلغت التضحية. فلما قبل الله هذه الشهادة العظيمة، أنزل الفداء واستبدل بالنفس البشرية ذبيحةً، فاستقر بذلك شعار الأضحية ركنًا راسخًا في مناسك الحج، شاهدًا على أن الجسد المادي في سعيه للخير لا يتوجه إلا لله ولا يطلب مرضاته إلا منه وحده.


ثانيًا: شهادة الروح — قهر الشيطان وإعلان كرامة الإنسان

أما البُعد الروحي للإنسان—الناشئ من اتحاد الروح بالجسد—فله شهادته الخاصة في منظومة الحج؛ إذ ينبغي للإنسان أن يُثبت كرامته الحقيقية بأن يُخضع الشياطين ولا يدعهم يُخضعونه. وتكتمل هذه الكرامة بحقيقة كونية راسخة: أن الملائكة سجدوا لآدم عليه السلام، فعلى الإنسان أن يرقى إلى مستوى هذه الكرامة الممنوحة له، وأن يُجلّيها في حياته بأن يكون عبدًا خالصًا لله. ومن هنا جاء رمي الجمرات في منى شعيرةً محوريةً في الحج؛ فحين علّم جبريل عليه السلام إبراهيمَ رمي الشيطان بالحجارة مع التكبير، كان في ذلك إعلانٌ صريح بأن الروح الإنسانية لا تخضع لسلطان الشيطان.

 

ثالثًا: إبراهيم عليه السلام علامةٌ فارقة في تاريخ النبوة

وقد كان إبراهيم عليه السلام علامةً فارقة في مسيرة البشرية؛ فالأنبياء من قبله—في سلسلة متصلة ترتد إلى آدم عليه السلام—كانت شهادتهم تتجلى في المقام الجسدي المادي: كيف يواجه الإنسان عالم المادة طالبًا هدى الله، غير مُشرك بأي شيء مادي محسوس، وكيف تشهد أعماله الصالحة في اليسر والعسر على أنه لا يبتغي إلا مرضاة الله.

فلما اكتملت هذه الشهادة الجسدية في إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقدّما روحيهما قربانًا فقبل الله منهما وفداهما، فتح الله بعدها آفاقًا جديدة؛ إذ أنعم على ابنه إسحاق عليه السلام، وبشّره بحفيده يعقوب عليه السلام—الذي أكرمه الله باسم "إسرائيل" بعد ذلك تكريمًا له. ومن ذرية إسرائيل أنعم الله على البشرية بمنحة عظمى في البُعد الروحي: كيف ترتقي الروح وتسمو، وكيف تُخضع الجن وتجعلهم في خدمة الإنسان، وكيف يشهد الجميع—حتى الملائكة—على الكرامة الحقيقية للإنسان. وقد تُوِّجت هذه المسيرة الروحية بأن أنعم الله على البشرية بمن يُعرف بـ"روح"—آيةً بيّنة وشاهدًا ساطعًا على هذه الكرامة الإنسانية الربانية.

مسيرة التوحيد من آدم إلى إبراهيم عليهم السلام — شهادة الجسد في مواجهة عالم المادة

أولًا: إبراهيم عليه السلام — النقطة المحورية في تاريخ النبوة

فإبراهيم عليه السلام يقع في موقع وسط بين حقبتين كبريين: ما قبله من الأنبياء الذين شهدت أعمالهم الصالحة في العالم المادي على أن الله وحده هو المستحق للعبادة، وما بعده من بني إسرائيل الذين أرسوا شهادةً من نوع آخر—شهادة الروح—على ألّا يُشرك بالله شيءٌ من عالم الأرواح. وإبراهيم عليه السلام يقف بين هاتين المرحلتين جامعًا لهما، وما كان للنبي الخاتم أن يُبعث حتى تكتمل الشهادتان معًا وتتلاقيا.


ثانيًا: آدم عليه السلام — أول شاهد من عالم المادة

فقد أنعم الله على آدم عليه السلام بنعم جليلة: خلقه من تراب، وعلّمه أسماء الأشياء كلها لتكون له عدةً في استثمار الأرض وطلب الرزق. وقبل نزوله إلى الأرض، أسكنه الله الجنة واختبره بأن نهاه عن الاقتراب من شجرة بعينها، فزلّ هو وزوجه إذ لم يضبطا شهوة الجسد. بيد أنهما سارعا إلى التوبة والاستغفار، وفي ذلك شهادةٌ صادقة بأن الله وحده هو التواب الرحيم الذي لا يُشرك به في قبول التوبة أحد. ثم نزلا إلى الأرض فعاشا حياتهما الزوجية وأنجبا ذريةً كثيرة، وفي سعيهما للرزق شهادةٌ متجددة على أن الله هو الرزاق الكريم. وقد غدا آدم وحواء عليهما السلام نموذجًا رفيعًا للعبودية الخالصة، شاهدَين بأن كل ما علّمهما الله من أسماء الأشياء هو آياتٌ تدل على الله لا تستحق العبادة، وأن الواجب تجاهها الشكر والتسبيح لا التقديس والتعظيم. وقد تجلّت هذه الحقيقة في قربان ابنيه؛ فقد قدّم أحدهما شاةً والآخر قمحًا، فقبل الله قربان صاحب الشاة، دلالةً على أن العمل في عالم المادة—رعيًا كان أم زراعةً—إذا قُدّم لله خالصًا بتقوى وإخلاص، كان شهادةً حيّةً على التوحيد ورفضًا صريحًا لكل صور الشرك بالله.


ثالثًا: نوح عليه السلام — شهادة التوحيد في مواجهة عالم الطبيعة

ومن المعلوم أن أقوام نوح عليه السلام عاشوا أعمارًا مديدة، فكانت مواجهتهم لعالم الطبيعة الشاسع والمتقلب مواجهةً طويلة متكررة. وقد سخّر الله الكوارث الطبيعية—في جملة ما سخّره—ابتلاءً للناس وعقوبةً للظالمين المشركين، حتى جاء الطوفان العظيم فأهلك الغارقين في الكفر والشرك، وأبقى نوحًا ومن آمن معه. وكان في إلهام الله نوحًا عليه السلام صناعة السفينة إشارةٌ بليغة: أن الإنسان مدعوٌّ إلى أن يستثمر عالم الطبيعة في طلب الرزق ودفع الضر، لا أن يخضع له أو يتذلل لقواه. وهكذا كان من نجا مع نوح عليه السلام شهداءَ على أن الله هو الرحمن الرحيم وحده، وأن الطبيعة بكل عجائبها وقواها ليست إلا آياتٍ تُرشد إلى الله ولا تستحق العبادة.

مسيرة التوحيد من هود إلى موسى عليهم السلام — شهادة الروح في مواجهة عالم الغيب

أولًا: هود ولوط عليهما السلام — التوحيد في مواجهة قوى الطبيعة والشهوة

فقوم عاد في عهد هود عليه السلام كانوا أهل قوة جبارة، ينحتون الجبال ويشيدون البنيان، غير أن بطشهم وكبرياءهم لم يُغنيا عنهم شيئًا حين أرسل الله عليهم الريح العقيم فأهلكتهم، ونجّى هودًا عليه السلام ومن آمن معه. وفي ذلك شهادةٌ ساطعة بأن القوة المادية الجسدية مهما بلغت لا تستحق العبادة ولا تصلح للتوكل عليها.

أما قوم لوط عليه السلام فقد انزلقوا في شهوة الجسد إلى أدنى دركاتها بإتيان الفاحشة، متجاوزين الحدود التي رسمها الله لإشباع الغرائز الجسدية. فأمطر الله عليهم حجارةً من السماء فأهلكهم، ونجّى لوطًا عليه السلام وبناته. وفي هذا درسٌ بليغ: أن الجسد حين لا يُقيّد بأوامر الله ويُصرف في غير ما أذن الله به، جرّ صاحبه إلى الهلاك.


ثانيًا: إبراهيم عليه السلام — خلاصة مرحلة وبداية مرحلة

وإذا استعرضنا مسيرة الأنبياء من آدم إلى إبراهيم عليهم السلام، تبيّن لنا أن رسالتهم جميعًا كانت توجيه الإنسان في علاقته بعالم المادة: كيف يطلب المغفرة حين تغلبه شهوة الجسد، وكيف يستعين بالله وحده في دفع البلاء عنه، وكيف يطلب منه وحده البركة والرزق. فكانوا جميعًا يُرشدون الناس إلى ألّا يُشركوا بالله شيئًا من عالم المادة المحسوس، وأن تكون أعمالهم الصالحة الجسدية شاهدةً خالصةً على أنهم لا يبتغون إلا مرضاة الله ومثوبته. فلما اكتملت هذه الشهادة المادية وبلغت ذروتها في إبراهيم عليه السلام الذي بذل نفسه وولده قربانًا لله، أُسِّست شعيرة الأضحية وفُتح باب الحج، وبُشِّر إبراهيم عليه السلام بأن ذريته من بني إسرائيل ستحمل شهادةً أخرى أرفع وأسمى.


ثالثًا: بنو إسرائيل — شهادة الروح في مواجهة عالم الغيب

يوسف عليه السلام: فقد فتح بنو إسرائيل هذه المرحلة الجديدة بنموذج يوسف عليه السلام الذي أبى الاستجابة لإغواء الشيطان، وكبح جماح النفس الأمّارة بالسوء وضبطها. والأعظم من ذلك أنه آثر الإحسان على الانتقام، فردّ الإساءة بالعفو والكرم. وفي ذلك دلالةٌ عميقة: فالنفس التي لا تعرف إلا الثأر والانتقام لا تبلغ السكينة ولا تنال الطمأنينة، أما النفس التي تسمو فوق جراحها وتُحسن إلى من أساء إليها فتلك هي النفس المطمئنة الراقية.

موسى عليه السلام: وفي عهده كان السحرة يستعينون بالشياطين والجن في أعمالهم، فكان السحر في جوهره خضوعًا للجن واستعانةً بهم في التفريق بين الزوجين وإشاعة الفساد. فلما رأى السحرة حق اليقين على يد موسى عليه السلام، آمنوا وسجدوا لله وهم يعلمون أن ذلك سيكلفهم أرواحهم، فقدّموا أنفسهم فداءً لهذه الحقيقة. وكان في ذلك إعلانٌ صريح بأن الروح الإنسانية لا تخضع لسلطان الجن والشياطين، وأنها أرفع شأنًا وأعلى منزلةً من أن تنقاد لهم.

اكتمال مسيرة التوحيد — من داود وسليمان إلى خاتم الأنبياء ﷺ

أولًا: داود وسليمان عليهما السلام — إخضاع عالم الجن

وفي عهد داود عليه السلام بلغ إخضاع عالم الجن ذروته على يد ابنه سليمان عليه السلام؛ إذ سخّر الله له الجن تسخيرًا كاملًا، فسجن منهم المفسدين، واستخدم سائرهم في بناء الصروح العظيمة والقدور والجفان الراسيات، حتى غدا الجن بأسرهم خاضعين لسلطانه. وكان في ذلك شهادةٌ بالغة على أن الروح الإنسانية في أرفع مراتبها تعلو على عالم الجن وتُخضعه، ولا تنقاد له.


ثانيًا: آل عمران وعيسى عليه السلام — الروح في أسمى تجلياتها

ثم جاءت آل عمران لتُجلّي البُعد الروحي في أكمل صوره؛ فكانت مريم العذراء وزكريا عليه السلام يسمعان كلام الملائكة مباشرةً، دلالةً على أن أرواحهم بلغت من النقاء والطهارة مرتبةً ملائكية. وقد بشّر الله يحيى وعيسى عليهما السلام بأن السلام يلازمهما في مولدهما ووفاتهما وبعثهما. وقد وصف الله عيسى عليه السلام بـ"روح منه"، إشارةً إلى أن الإنسان قد بلغ في هذه المرحلة مرتبة الروح الطاهرة الملائكية النقاء. وقد أثبت عيسى عليه السلام هذه الكرامة الإنسانية الرفيعة في مواجهة كل من أراد به الأذى والاضطهاد والقتل. وكانت أولى كلماته حين وُلد إعلانًا صريحًا: أنه عبدٌ لله، وأن روحه رغم سموّها لا تستحق العبادة، وأن كل عمل صالح لا يُبتغى به إلا وجه الله.


ثالثًا: محمد ﷺ — الجامع بين شهادة الجسد وشهادة الروح

فلما اكتملت شهادة الجسد في مواجهة عالم المادة عبر الأنبياء الأولين، واكتملت شهادة الروح في مواجهة عالم الغيب عبر بني إسرائيل وعيسى عليه السلام، آن أوان النبي الخاتم الذي يجمع الشهادتين في منظومة واحدة متكاملة. فبُعث محمد صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، حاملًا الإسلام في كماله وتمامه، ليشهد الإنسان بجسده وروحه معًا على أن رب العالمين وحده هو المستحق للعبادة، وأن كل خيرٍ ونعمة فمنه وحده سبحانه.

وهكذا اكتمل معنى الحج في أسمى صوره؛ فالحجاج الذين يأتون بيت الله حاملين صالح أعمالهم الجسدية والروحية معًا، يشهدون في آنٍ واحد على اكتمال رسالة الخاتم صلى الله عليه وسلم، وعلى اكتمال نعمة الله على البشرية في الإسلام، وعلى أن الله رب العالمين هو المنعم الوحيد والمستحق للعبادة وحده.


رابعًا: الحجة العظمى — شهادة الصحابة الكرام

وقد بلغ الحج ذروته وأوجه في حجة الوداع، حين وقف النبي صلى الله عليه وسلم بصحابته الكرام من مهاجرين وأنصار ومجاهدين، فأطلقوا جميعًا أعظم شهادة عرفتها البشرية. وكانت شهادتهم مزدوجةً كاملة:

فمن جهة الجسد: آمنوا إيمانًا راسخًا بلقاء الله، وبذلوا أرواحهم في إعلاء كلمة الله والذود عن كتابه.

ومن جهة الروح: تلقّوا القرآن الكريم وتدبّروه وحفظوه وعملوا به وبلّغوه، فكانت أرواحهم طاهرة نقية بنور الوحي، وكانوا خلفاء الله في أرضه يحملون أمانة الرسالة إلى العالمين. وقد أيقنوا أن الله الذي أنزل الكتاب وكلّم البشر، سيُكرمهم برؤيته في الآخرة—وهو اليقين الأسمى الذي يتجاوز كل نعيم.

وقد غدت شهادة هؤلاء الصحابة الكرام آيةً خالدة وقدوةً باقية لمن جاء بعدهم، تدعونا إلى حمد الله وشكره، وتحثّنا على أن نسلك طريقهم ونقتفي أثرهم، سائلين الله أن يهدينا صراطه المستقيم.

الخاتمة: نزول عيسى عليه السلام وشهادته على اكتمال رسالة الخاتم ﷺ

أولًا: عيسى عليه السلام حين ينزل سيحج مع أمة محمد ﷺ

وحين ينزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان، سيسلك طريق النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويقتفي أثره، فيؤدي فريضة الحج شاهدًا على اكتمال هذه الرسالة الخاتمة. وذلك لأن مسيرته قبل رفعه كانت شهادةً على أن الروح التي أودعها الله في الإنسان أرفع مقامًا وأسمى منزلةً من روح الملائكة؛ إذ تتعرض الروح الإنسانية في رحلتها على الأرض لضروب شتى من الابتلاء والاضطهاد والمحن، فتخرج منها أكثر صفاءً وأعمق دلالةً على عظمة الله. فإذا نزل عيسى عليه السلام وأدى الحج، كانت حجته شهادةً مزدوجة: شهادةٌ على أن كل عمل صالح يصدر عن الإنسان الذي حُبي بالروح الكريمة إنما هو من فضل الله ورحمته لا يُشرك به أحد، وشهادةٌ على أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أتم رسالته على أكمل وجه وأتمه.


ثانيًا: محمد ﷺ — إمام الأنبياء وجامع مسيرتهم

وقد أثبت النبي محمد صلى الله عليه وسلم إمامته للأنبياء والمرسلين جميعًا من خلال مسيرته النبوية الجامعة في بُعدين متكاملين:

الأول: قيادة الإنسان في عالم المادة نحو طلب الخير والبركة، والشهادة على أن ثمة ربًّا رحمانًا رحيمًا، وأن كل عمل صالح جسدي هو سبيلٌ للتقرب إليه وطلب رضاه.

الثاني: قيادة من سمت أرواحهم من بني إسرائيل وسائر الناس في مسيرتهم الروحية، وإرشادهم إلى أن كل صلاح روحي هو فضلٌ من الله يُبتغى به وجهه وحده.

والآية الكبرى على هذه الإمامة الجامعة: أنه صلى الله عليه وسلم لما أُسري به وعُرج، صلّى إمامًا بجميع الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى—وهو مشهدٌ لا يحتاج إلى مزيد بيان. ونزول عيسى عليه السلام ليحج مقتفيًا أثر النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو بذاته أبلغ شاهد وأوضح دليل على هذه الحقيقة الراسخة.


ثالثًا: الصحابة الكرام — النموذج الأكمل للعبودية الجامعة

وقد جسّد صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكمال الجامع على أرض الواقع؛ فكانوا يُحسنون في بُعديهم معًا—الجسدي والروحي—فأدّوا الحج وقدّموا القرابين طالبين رضا الله، جامعين في حجتهم بين شهادة الجسد وشهادة الروح. وهذا هو السبب العميق الذي يجعل أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم يتميزون ويرتفعون على أتباع سائر الأنبياء والمرسلين.


اللهم ارحمنا وثبّت أقدامنا على طريق خاتم أنبيائك ورسلك، ولا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وارزقنا كمال العبودية لك وحدك. آمين.

هذا ما تيسّر في هذا اللقاء المبارك، وما وقع فيه من زلل في العبارة أو قصور في البيان فإننا نستغفر الله العلي العظيم ونسأله العفو والمغفرة، كما نسأل الإخوة والأخوات الكرام التجاوز والصفح. وفي الختام نشكر الجميع على حسن المتابعة والتفاعل.

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلتي من الصين الى الاسلام

دروس سورة الفاتحه (4) "رَبِّ الْعَالَمِينَ" — سر العوالم وشهادة الخلق بوحدانية الله

دروس سورة الفاتحه (1) الاستعاذة بالله – درع المؤمن ضد الوسوسة والانحراف