(47) سورة البقره : الأسرار الكامنة وراء إشراف المشركين على الكعبة المشرفة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.


موضوعنا اليوم هو:

 أسرار إشراف المشركين على الكعبة المشرفة في حقبة من الزمن، إذ لا بد لنا من استيعاب الحكمة الإلهية الكامنة وراء هذه الظاهرة؛ فكيف لمكان بهذه المكانة الرفيعة أن يكون في رعاية المشركين طوال تلك المرحلة؟

ومن المعلوم أنه قبيل فتح مكة المكرمة على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كانت في جوف الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، مما يدل دلالةً قاطعةً على أن المشركين كانوا يتولون خدمتها والإشراف عليها، وهو ما يستوجب منا التأمل في أبعاد هذه الأسرار وحكمها.

ولا خفاء أن الكعبة المشرفة تحظى بمكانة سامية ومنزلة رفيعة، كونها مقصد العبادة وموئل الذكر والتعظيم، فهي قبلة المصلين، ومنتهى الحجاج والمعتمرين، وفيها تتجلى شعائر جليلة وآيات ربانية بيّنة تجمع بين مناسك الحج وفرائض الذكر والعبادة. ومع ذلك كله، فقد آلت رعاية هذا الصرح الشامخ في حقبة من الزمن إلى المشركين.

وثمة ملاحظة جديرة بالتأمل، وهي أنه لا تكاد تُذكر في السجلات التاريخية أي رواية تُشير إلى تولي أهل الكتاب خدمة الكعبة المشرفة، في حين أوكل الله إليهم القيام على المسجد الأقصى في بلاد الشام الذي تربطه صلة وثيقة بالتاريخ المقدس. وهكذا تقلّد المشركون وأهل الكتاب—في أزمنة متفاوتة—سدانة بيوت الله؛ فتولى المشركون رعاية الكعبة، وتولى أهل الكتاب الذين زعموا لله ولدًا رعاية المسجد الأقصى.

ومما يُروى كذلك في السيرة النبوية الشريفة أن قريشًا لم تقتصر على الإشراف على الكعبة، بل بادرت إلى إعادة بنائها؛ ففي السنة الخامسة قبل البعثة النبوية—أي حين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخامسة والثلاثين من عمره—أجمعت قريش على هدم البناء القديم وتشييد بناء جديد مكانه، واتفقوا على ألا يُستعان في هذا العمل إلا بالمال الحلال الطيب، فحرّموا توظيف مهر الزانية وأموال الربا والمكاسب الحرام في بنائها. ويدل هذا الموقف على ما كانت تكنّه قريش من تعظيم صادق للكعبة المشرفة. فضلًا عن ذلك، فقد جعلوا مكة المكرمة كلها حرمًا آمنًا، تحظر فيه المنازعات والقتال على اختلاف أشكاله.

فلما أتمّوا البناء وحان وقت إعادة الحجر الأسود إلى موضعه، نشب بينهم خلاف حاد، فتشاوروا خمسة أيام حتى توصلوا أخيرًا إلى اتفاق، مفاده: "يا معشر قريش، اجعلوا حَكَمًا بينكم أول مَن يدخل من باب هذا المسجد." فرضي الجميع بذلك، وما هي إلا لحظات حتى دخل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: "هذا الأمين، هذا محمد، رضينا به." فبادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الفصل في النزاع برأي حكيم؛ إذ طلب إحضار رداء فوضع الحجر الأسود في وسطه، ثم أمر زعماء القبائل بالإمساك بأطراف الرداء ورفعه معًا، وحين اقترب الحجر من موضعه أخذه بيده الشريفة فأعاده إلى مكانه. وبذلك أُسدل الستار على الخلاف بأبهج صورة وأكمل حل، دون أن تبقى له أي بذور تفرقة أو عداوة.

الأسرار الكامنة وراء إشراف مشركي قريش على الكعبة المشرفة — تحليل معمّق

ومن المعلوم أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، سواء قبل البعثة أم بعدها، كان أعظم مظاهر رحمة الله للعالمين وأجلّ آياتها؛ إذ كانت أبرز مواهبه وأعظم نعمه أن أي خلاف مهما اشتد واستعصى كان يتحول بفضله إلى يسر وسلام وطمأنينة. وذلك لأن الإسلام—دين الله—دين السلام بامتياز، فكان من الطبيعي أن تتجلى في رسالته ومهمته هذه السمة البارزة.


  لماذا أوكل الله إلى مشركي قريش رعاية الكعبة المشرفة؟

ولفهم هذه الحكمة الإلهية فهمًا دقيقًا، نستأنس بما جاء في سورة الزخرف، الآية السابعة والثمانين، حيث يقول الله تعالى:

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾

فقريش إذن لم تكن تجهل وجود الخالق، بل كانت تُقرّ به، وتعترف أن له صفة الألوهية المستوجبة للعبادة—الله—غير أنها على الرغم من هذا الإقرار انتهت إلى الإشراك، فاعتقدت أن الأصنام تشاركه حق العبادة. فمن أين جاء هذا الانحراف؟ هذا هو الجوهر الذي يستحق التأمل والدراسة.


جذور الانحراف العقدي: الوقوف عند صفة الربوبية دون الذات الإلهية

إن الاقتصار على معرفة الخالق من حيث كونه خالقًا ورازقًا—معرفةٌ منقوصة لا تكتمل. فمن توقف عند هذا الحد دون أن يرتقي إلى معرفة الذات الإلهية في حقيقتها، سقط في خطأ منهجي جسيم: إذ راح يُسقط على صفات الخالق المتعالية تصوراته البشرية المحدودة، ويقيسها بمقاييس المخلوقين.

فإذا اقتصر المرء على تصور الله ربًّا رازقًا دون استيعاب تعاليه المطلق، انتهى به الأمر إلى المقارنة والمحاكاة، فوجد نفسه يُشبّه صفاته جل وعلا بصفات المخلوقين. وهنا تتجلى الآفة؛ فحين لا يستقيم العقل ولا يرتفع إلى مستوى هذا التصور الرفيع، يُحسب أن الصفات المتعددة للرب تقتضي بالضرورة وجود أرباب متعددين، قياسًا على عالم المخلوقات الذي تتوزع فيه المهام بين أطراف شتى.


المفتاح الحقيقي: معرفة الذات الإلهية

والمخرج من هذا الوهم يكمن في الانتقال إلى مرتبة أسمى وأعمق، وهي: معرفة الذات الإلهية. وهذه المعرفة تنبني على أصل راسخ: أن المخلوقات حادثة، أي لها بداية ونهاية، أما الخالق فهو الأزلي الأبدي الذي لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء. والمخلوقات ما هي إلا آيات تدل عليه وتشهد لوجوده، وهي من ثَمّ خاضعة لسلطانه، مفتقرة في وجودها إليه.

ومن هذا المنطلق يتضح أن الخالق سبحانه حر مطلق، لا يقيده زمان ولا يحده مكان، ولا تأسره علة ولا يخضع لسبب أو نتيجة، بل الزمان والمكان والعلل والأسباب كلها من مخلوقاته، وكل الموجودات مفتقرة إليه في وجودها. وهو وحده الغني المطلق الذي لا يُحاط به ولا يُشبَّه بشيء.

ولذلك فإن الأصل الذي لا غنى عنه لتصحيح التصور العقدي هو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؛ فهو منزه تنزيهًا مطلقًا عن الزمان والمكان والحدود والعلل والأغراض، وكلها مخلوقاته، والكون كله موجود بافتقار إليه. فإذا رسخت هذه الحقيقة في القلب والعقل، أمكن حينئذ أن تكتمل وتستقيم معرفة صفاته الربانية على وجهها الصحيح.

الأسرار الكامنة وراء إشراف مشركي قريش على الكعبة المشرفة  

فمتى استقرت في القلب معرفةٌ جامعة بأن الخالق—رب العالمين—له ذاتٌ حقيقية قائمة بنفسها، تجلّى في ضوء هذه المعرفة أن كل مخلوق حادث—مهما بلغت منزلته—ليس إلا آيةً من آياته سبحانه، شاهدةً على صفاته العلية وأسمائه الحسنى , ومن هنا فإن المخلوقات بطبيعتها تحمل في ذاتها جملةً من المحاسن والأخلاق الكريمة، لا لأنها تستقل بها، بل لأنها تعكس آثار صفاته تعالى وتشهد عليها. وإذا استُوعب هذا المعنى الدقيق واستقر في الوعي العقدي، انقطعت بداهةً كل دعوى لأي مخلوق في استحقاق العبادة.


منشأ الانزلاق إلى الشرك: الوقوف عند الصفات دون استيعاب الذات

أما المشركون فلم تكتمل لديهم هذه المعرفة الجوهرية؛ إذ لم يستوعبوا أن الخالق الرب سبحانه له ذاتٌ متعالية لا تُشارَك ولا تُضاهى، وأن ربوبيته وصفاته المقدسة لا يجوز أن يُشرك معها شيء. فلما خلا وعيهم من هذا الأصل الراسخ، أخذوا يرفعون المخلوقات التي تتجلى فيها آثار الصفات الإلهية ويُعظّمونها تعظيمًا لا يليق إلا بالله.

وكان أولى المخلوقات بهذا الرفع المزوّر في نظرهم: الملائكة؛ لأنهم خُلقوا أصلًا على الطاعة والخير المحض، ومُنحوا القدرة والقوة والعلم والحكمة. فانزلق هؤلاء المشركون إلى اتخاذ الملائكة شريكات لله، وزعموا—معاذ الله—أنهم بناته، وهو من أفدح الأخطاء العقدية وأشدها خطورةً في تاريخ البشرية.


الحكمة الإلهية في إبقاء مشركي قريش على رعاية الكعبة

فإن قيل: كيف أقرّ الله مشركي قريش على رعاية الكعبة وهم على هذا الشرك الصريح؟

فالجواب يكشفه أصلٌ عظيم: فإن قريشًا تنتسب إلى سيدنا إسماعيل عليه السلام، وقد أكرم الله إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بأن جعل النبوة والاصطفاء في ذريتهما، وشاءت إرادته سبحانه أن يختار من بين أحفادهما أهل التوحيد والعبادة الخالصة، بل وأن يختار منهم خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم. فكان هذا هو المقصد الأسمى والسبب الأعمق: أن يظل أبناء إسماعيل عليه السلام—الذين تجري في عروقهم دماؤه—عامرين حول هذا البيت المقدس، متمسكين به، لأن الله قد بشّر إبراهيم عليه السلام بذلك وعدًا كريمًا، وأنعم على إسماعيل عليه السلام بأن تظهر البركة والاصطفاء في ذريته وتتجلى فيهم.

وفهمُ البشارة التي أكرم الله بها إبراهيم عليه السلام يستلزم استحضار مقامه الرفيع؛ فقد اجتاز عليه السلام ما ابتلاه الله به من اختبارات جسام، فخرج منها مرضيًّا عند ربه، ونال شرف الخُلّة—أن يكون خليل الله—وهو مقامٌ لا يبلغه إلا من كانت دعوته مقبولةً عند الله لا تُرد. وقد سجّل القرآن الكريم طائفةً من دعوات إبراهيم عليه السلام التي استُجيبت جميعها؛ فلما دعا ربه أن يُفيض بركته على ذريته، وأن يُعمّر مكة المكرمة وما حولها بالخير والنماء، كان في ذلك إيذانٌ يقيني بأن ذرية إسماعيل عليه السلام ستحمل طابع الاصطفاء والبركة لا محالة.

وإذ قُدِّر لذرية إسماعيل عليه السلام أن تنال هذه البركة الربانية وأن تكون مهبط النبوة والرسالة، فقد شاء الله سبحانه أن يتوّج هذا الاختيار بإرسال خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، تحقيقًا لبشارة إبراهيم عليه السلام وإتمامًا لها. وفي إبقاء قريش على رعاية الكعبة المشرفة وجهان من الحكمة لا يمكن إغفالهما:

الأول: أنه وفاءٌ إلهي كريم لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، جزاءً على توحيدهما وعبادتهما، وتكريمًا لأرومتهما. وقد صرّح القرآن الكريم في سورة العنكبوت بأن إبراهيم عليه السلام نال ثوابه في الدنيا قبل الآخرة، والثواب الأخروي أعظم وأبقى. فقريشٌ بحكم انتسابها إلى هذه الذرية المباركة، استحقت أن تكون حارسةً للبيت الحرام، ردًّا لجميل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، كما أن الله—الرحمن الرحيم—لم يُغفل ثواب الدنيا لمن يستحقه، لأن الناس بشرٌ يحتاجون إلى ما يعينهم في معاشهم قبل حسابهم.


السبب الثاني: طبيعة البيئة وما أفرزته من وعي روحي

الثاني: أن الله سبحانه أقام هذا البيت في بقعة قاحلة جرداء، لا زرع فيها ولا صناعة، ولا سبيل للعيش فيها إلا بالتجارة. وهذا الواقع القاسي وضع قريشًا أمام تحديين متلازمين: تحدي الكفاف والرزق في غياب الزراعة، وتحدي الأمن في رحلات التجارة إلى الشمال والجنوب. وقد أفرز هذا الضغط المزدوج في وجدان قريش معرفةً حيّةً صادقةً برب هذا البيت؛ فكانوا يعلمون يقينًا أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، وأن أمرهم كله بيد الله الذي يكفيهم في المجاعة ويحرسهم في الخوف، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة في سورة قريش بقوله تعالى: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.

بيد أن هذه المعرفة—على عمقها ووضوحها—بقيت منقوصة، لأنهم لم يرتقوا إلى معرفة الذات الإلهية في تعاليها المطلق وتنزهها عن كل مشابهة. فلما عاينوا عجزهم وفاقتهم أمام الله، وأيقنوا أنه الرب الكافل المدبّر، توهّموا في الوقت ذاته أنه بعيدٌ لا يُتوصل إليه مباشرة، فاحتاجوا—في تصورهم—إلى وسائط وشفعاء يقرّبونهم إليه. فانتقوا من المخلوقات ما بدا لهم أنه يحمل من صفات الخير والجمال ما يجعله أهلًا للتوسط، فرفعوا هذه المخلوقات وجعلوها أصنامًا تُعبد من دون الله، لا استغناءً عن الله، بل طمعًا في الوصول إليه عبرها—هكذا خيّل إليهم وهمهم الضال.

فقد أقدم كل قبيل وكل بيت على نصب الصنم الذي يعتقد أنه وسيلته للتقرب إلى رب العالمين، حتى بلغت هذه الأصنام ثلاثمائة وستين صنمًا ملأت جوف الكعبة المشرفة، إذ كان كل بيت يرى لنفسه مكانةً خاصة وحظوةً متميزة تبلغ عن طريق صنمه إلى الخالق الرازق.

وهنا يتجلى التناقض الصارخ في حال هؤلاء المشركين: فمن جهة كانوا يُدركون إدراكًا حيًّا صادقًا عمق فضل الله عليهم وعظم كفالته لهم، فيلجؤون إليه يستنزلون رزقه ويستجيرون بحمايته. ومن جهة أخرى توهّموا أنه سبحانه في علوه وجلاله بعيدٌ لا يُناجَى مباشرة، وما ذاك إلا لأنهم افتقروا إلى المعرفة الحقيقية بذاته سبحانه.


الحجاب المعرفي: الجهل بمعنى الذات الإلهية

فلو أدرك هؤلاء المشركون أن الخالق الرب سبحانه له ذاتٌ قائمة بنفسها لا تتقيد بزمان ولا تُحدّ بمكان، ولا تخضع لأي نظام من أنظمة السببية والغائية والأحوال والمراتب، لعلموا يقينًا أن أي عبد في أي بقعة من الأرض وفي أي لحظة من الزمان وفي أي حال كان، إذا توجّه إليه بالدعاء يستكشف كربه أو يستجلب نعمته، فإن الله—بذاته المتعالية وصفاته الكاملة—يسمعه ويستجيب له؛ لأنه سبحانه هو الرب الرحمن الرحيم السميع العليم البصير المحيط بكل شيء علمًا وقدرة.

غير أن المشركين وقفوا عند حد معرفة الله خالقًا رازقًا، ولم يرتقوا إلى معرفة ما لذاته المقدسة من الصفات الذاتية اللازمة لها، فوقعوا في الوهم الكبير: أنه تعالى في مقامه الرفيع لا يُبلغ مباشرة، وأن ثمة وسائط لا غنى عنها.


آلية الشرك: من التعظيم إلى التأليه

وانطلاقًا من هذا الوهم، وجّهوا تعظيمهم إلى الملائكة الذين خُلقوا أصلًا على الطاعة المحضة والقوة والعلم والحكمة، واعتقدوا—معاذ الله—أنهم بنات الله، فأقاموا لهم التماثيل والأصنام، وزادوا على ذلك أن جعلوا لسائر المخلوقات التي يتخيلون فيها معاني الجمال والكمال أصنامًا تُجسّد هذه المعاني في ظنهم، معتقدين أن بهذه الوساطة يصلون إلى الله. وهم لا يعلمون أن الملائكة أنفسهم عبادٌ مقهورون خاضعون لأمر الله، لا يتجاوزون ما أُمروا به، مسخّرون لتنفيذ أحكامه وإيصال أوامره، فكيف يكونون وسائط بين العباد وخالقهم؟!

وهكذا انبرى هؤلاء المشركون بكل حماس وشغف لنحت الأصنام وإقامة التماثيل لكل ما صوّرته أوهامهم من الملائكة وسائر المخلوقات، ظانّين أن هذه الأصنام ستفتح لهم الطريق إلى الله، وهو ضلال مبين لا يقوم على شيء من الحقيقة ولا يستند إلى شيء من المعرفة الصحيحة.

الحكمة الثالثة في إشراف المشركين على الكعبة — الحج والسلام والطابع الشوري لقريش

أولًا: الحج شعيرةٌ للتقرب وإعلانٌ للسلام

ومنذ عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، أنعم الله على البشرية بفريضة الحج التي تُؤدَّى عند هذا البيت المقدس، وهي في جوهرها شعيرةٌ تقوم على تقديم الهدية والقربان؛ إذ يشهد فيها الحاج على نفسه أنه لا يبتغي من وراء طاعته وعمله الصالح إلا رضا الله ومثوبته في الدنيا والآخرة، فيُجسّد هديته قربانًا شاهدًا على صدق توجهه وإخلاص نيته.

ولما كان الحج ملتقى الصالحين من شتى الآفاق يتقربون إلى الله بقرابينهم وأعمالهم، كان من الطبيعي أن يخلو هذا الملتقى من كل صور النزاع والشقاق والخصام؛ لذلك حُرِّمت مكة المكرمة كلها، وامتد حكم الحرمة ليشمل القتال والجدال والسباب وحتى قطع الأشجار. وقد وُصفت الكعبة المشرفة بالذات بأنها بيت الأمن والسلام. ولم يُستثنَ من ذلك إلا فتح مكة الذي قاده النبي محمد صلى الله عليه وسلم بصحابته المهاجرين والأنصار، فدخلها فتحًا سلميًّا لا قتال فيه ولا إراقة دماء. وهكذا كان لزامًا أن يتجسد جوهر الحج ومعناه على أرض الواقع، فلا تُعرف مكة إلا بالسلام والوئام بعيدًا عن كل نزاع.


ثانيًا: طابع الشورى في قريش ودلالته

وكان من أبرز سمات قريش المميزة ميلُها الراسخ إلى التشاور والتداول الجماعي في القرارات، سواءٌ في ذلك ما كان منها خيرًا أم شرًّا؛ فلم تكن تنفرد فئة منهم بأمر حتى تعرضه على المجموع وتأخذ برأي الجماعة.

وقصة الحجر الأسود خير شاهد على ذلك؛ فحين استعصى عليهم الخلاف في تحديد من يضعه في مكانه، لم يلجؤوا إلى القوة والغلبة، بل سلكوا مسلك التشاور واحتكموا إلى من ارتضوه حكمًا بينهم، وكان في ذلك نعمةٌ ظاهرة تجلت في حكمة النبي صلى الله عليه وسلم حين حسم النزاع بأبدع حل.

أما حين أساؤوا وأخطؤوا، فكانت إساءتهم جماعيةً بالمثل؛ فلما بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كان أشراف قريش يعقدون مجالس التشاور ويتداولون في كيفية التصدي لدعوته ومقاومتها، حتى انتهى بهم الأمر إلى أن تآمروا معًا على الفتك به صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك كان وليد قرار جماعي تشاوري لا عمل فردي منفرد.

أولًا: البُعد الجماعي في طبيعة قريش

والبشريةُ في جوهرها أمةٌ واحدة، والعوالم كلها منتظمةٌ في وحدة شاملة، والله وحده لا شريك له؛ وقد اقتضت حكمته سبحانه أن يُودع في المخلوقات سنة التقابل والازدواج والتكامل. وعلى الإنسان أن يُوظّف روح الجماعة في السعي إلى الخير لا في ارتكاب الشر.

وقد حظيت قريشٌ بنعمة الروح الجماعية وملكة التشاور؛ فكانت لها مجالس الشيوخ وبيوت الاجتماع المخصصة للتداول في شؤونها، وهذا وحده دليلٌ على قدرتها التنظيمية الراسخة في صون الكعبة والذود عنها. وكانوا إذا تعرضت الكعبة لأي اعتداء هبّوا للدفاع عنها هبّةً واحدة. بل إن شركهم ذاته بعبادة الملائكة الذين يعملون بتنسيق وتوزيع للمهام، قد انعكس على نظام تعاونهم فيما بينهم.

يُضاف إلى ذلك أن كل قبيلة من قبائل قريش أودعت صنمها في جوف الكعبة، فصار لكل قبيلة في هذا البيت مصلحةٌ خاصة ومنزلةٌ راسخة، مما جعل الدفاع عن الكعبة دفاعًا عن الوجود كله. وقد بلغ من صلابة قريش في الذود عن هذا البيت أنهم كانوا يُقدّمون في سبيله الأنفس والأموال والأولاد، مهما عظمت القوى المهددة من المشرق أو المغرب، لأنهم أدركوا أن في صون الكعبة صون مصالحهم كافة وقوام حياتهم جميعًا.


ثانيًا: الحماية الإلهية المباشرة حين عجزت قريش

فلما عجزت قريشٌ عن صدّ من جاء يستبيح حرمة الكعبة—حين أقبل أبرهة بجيش الفيل يزمع هدمها—تجلّت الحماية الإلهية المباشرة، فأهلك الله ذلك الجيش بقدرته وحده دون أن يحتاج إلى معين من البشر، صونًا لبيته المقدس.

وكان في ذلك الحدث العظيم بشارةٌ كونية ونذيرٌ مبشّر، إذ كانت ولادة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم على الأبواب. فلما بُعث صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، التفّ حوله المؤمنون الموحّدون من كل حدب وصوب، فكانوا هم الحراس الحقيقيون للبيت الحرام، يصونونه بإيمانهم وتوحيدهم وبذلهم في سبيل الله. وكان هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم—فوق ما حمل من رسالة عالمية—قرشيًّا ينتسب إلى ذلك البيت الذي طالما تعاهد أجداده على خدمته وحراسته.

الخاتمة: من الشرك إلى التوحيد — الحراسة الحقيقية للبيت الحرام

فلما أقبل مشركو قريش على رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، وفتحوا قلوبهم لما جاء به من هدى ونور، انكشف لهم ما كان محجوبًا عنهم من حقائق جوهرية: أن الخالق الرب سبحانه وتعالى له صفاتٌ عُليا تستوجب العمل الصالح وإسداء الخير، وأنه الرحمن الرحيم الذي تتجلى رحمته في كل شيء. وأدركوا فوق ذلك أن لله ذاتًا حقيقية متعالية تعاليًا مطلقًا، لا يُحيط بها زمانٌ ولا يحدّها مكان، ولا تخضع لأي نظام من أنظمة السببية أو الغائية أو الأحوال أو المراتب، وأن كل مخلوق—أيًّا كان—يستطيع أن يتوجه إليه مباشرةً بالدعاء والعبادة والاستغاثة، دون حاجة إلى وسيط أو شفيع من المخلوقين.

فلما استقرت هذه المعرفة الحقيقية في قلوبهم، بادروا إلى هدم أصنام قبائلهم وتحطيمها، لا في الواقع المحسوس وحده، بل في أعماق وعيهم ومنظومة تفكيرهم؛ فاقتلعوا جذور التصور الشركي من نفوسهم اقتلاعًا تامًّا، وانضووا تحت لواء النبي محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين موحّدين. وبذلك غدوا الحراس الحقيقيين للبيت الحرام، يصونونه بالإيمان الخالص والتوحيد الصافي، لا بالعصبية القبلية ولا بمصالح الدنيا الزائلة.


هذا ما تيسّر تناوله في هذا اللقاء المبارك، وما وقع فيه من زلل في العبارة أو قصور في البيان فإننا نستغفر الله العلي العظيم ونسأله العفو والمغفرة، كما نسأل الإخوة والأخوات الكرام التجاوز والصفح. وفي الختام نشكر الجميع على حسن المتابعة والتفاعل.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلتي من الصين الى الاسلام

دروس سورة الفاتحه (4) "رَبِّ الْعَالَمِينَ" — سر العوالم وشهادة الخلق بوحدانية الله

دروس سورة الفاتحه (1) الاستعاذة بالله – درع المؤمن ضد الوسوسة والانحراف