(46) سورة البقرة – التعرف على شرف البيت الحرام
الإخوة والأخوات في
هذه المجموعة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نحمد الله العليّ العظيم، ونصلّي ونسلّم على خاتم الأنبياء محمد ﷺ، ونسأل
الله أن يرضى عن جميع الصحابة رضوان الله عليهم.
موضوعنا اليوم هو: التعرّف على شرف
البيت الحرام.
يمكننا أن نتعرّف على
شرف البيت الحرام من خلال آيةٍ في كتاب الله، حيث يقول ربّنا في سورة البقرة،
الآية 125:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ
مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا ۖ وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ
مُصَلًّى﴾
ومن خلال هذه الآية
نستطيع أن نتعرّف على شرف البيت الحرام من ثلاثة جوانب:
الأول: أنه جعله الله للناس مثابةً
ومرجعًا.
الثاني: أنه جعله موضع أمنٍ وطمأنينة.
الثالث: أن فيه مقام إبراهيم، وهو علامة عظيمة من علامات ذكر الله.
وسنفهم شرف البيت
الحرام من خلال هذه الجوانب الثلاثة.
أولًا: توضيح بعض
المصطلحات الواردة في الآية
1) معنى قوله تعالى:
﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾
تُترجم بمعنى: مرجعًا ومكانًا
للعودة.
وقد فسّر ابن عباس
ذلك بقوله: إن الناس لا يستطيعون الإقامة داخل البيت، وإنما يزورونه، ثم يرجعون
إلى بيوتهم، ثم يعودون لزيارته مرة أخرى.
2) معنى قوله تعالى:
﴿وَأَمْنًا﴾
أي أنه مكان أمنٍ
وطمأنينة.
وقد فسّر التابعي أبو
العالية ذلك بقوله: إن أحدًا لا يجرؤ على انتهاك حرمة البيت، كإشعال الحرب فيه
ونحو ذلك.
وقال علماء آخرون في
تفسير معنى “الأمن”: إن الناس كانوا يعتقدون أن من دخل البيت الحرام يكون في أمان،
ففي زمن الجاهلية كان الناس خارج الحرم يتعرضون كثيرًا للعدوان والقطيعة والاضطراب،
بينما كان أهل الحرم يعيشون في أمن واستقرار.
ثانيًا: مقام إبراهيم
دليل على شرف البيت الحرام
كما أن مقام
إبراهيم يُعدّ شاهدًا واضحًا على شرف البيت الحرام.
وقد ورد ذكر ذلك في سورة
آل عمران، الآيتين 96 و97، حيث يقول ربّنا سبحانه:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ
لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ
بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾
ثالثًا: ما المقصود
بمقام إبراهيم
نتعلّم من كتب
التفسير أن المقصود بمقام إبراهيم هو: الحجر الذي كان
إبراهيم عليه السلام يقف عليه أثناء بناء البيت.
فحين كان إبراهيم
يبني البيت ويعلو الجدار، قام ابنه إسماعيل عليه السلام بإحضار حجرٍ له
ليقف عليه.
وإسماعيل هو الابن
الأكبر لإبراهيم عليه السلام، وقد كان يناوله الحجارة من أسفل، بينما كان إبراهيم
يقف على ذلك الحجر ويواصل بناء جدار البيت، ينتقل في البناء من جهة إلى أخرى، حتى
اكتمل بناء البيت.
وقد ذكر الله هذا
المقام الكريم في الوحي الذي أُنزل على نبينا محمد ﷺ، وكان عرب الجاهلية كذلك
يعرفون هذا المقام ويشتهر بينهم.
رابعًا: مقام إبراهيم
في السنة النبوية
وفي بيان شرف هذا
المقام، نتعلّم من صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:
“إن رسول الله محمدًا
ﷺ أتى البيت فطاف سبعًا، ثم صلى ركعتين خلف المقام.”
رواية في صحيح مسلم
عن مقام إبراهيم
وقد ورد كذلك في صحيح
مسلم ما يبيّن مكانة مقام إبراهيم. فقد روى جابر رضي الله عنه قال:
إن رسول الله محمدًا
ﷺ قبّل الركن الذي فيه الحجر الأسود، ثم طاف بالبيت، فهرول ثلاث مرات ومشى
أربع مرات.
فلما بلغ مقام إبراهيم قرأ قوله تعالى:
﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ
إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾
ثم صلى ركعتين بين
المقام والبيت.
ارتباط مقام إبراهيم
بذكر إسماعيل وأمه
وعند ذكر مقام
إبراهيم، فإن هذا الحجر يذكّرنا كذلك بنعمة أخرى مرتبطة بـ إسماعيل عليه
السلام؛ إذ إن إسماعيل هو الذي أحضر الحجر لوالده إبراهيم ليقف عليه أثناء
بناء البيت.
ولذلك فإن ذكر المقام
يذكّر أيضًا بآثار أخرى مرتبطة بإسماعيل وأسرته، مثل:
- الموضع المعروف
بجدار حِجر إسماعيل بجانب الكعبة.
- تذكّر سعي أمه هاجر
سبع مرات بين الصفا والمروة.
- ونعمة ماء زمزم
الذي أنعم الله به عليهم.
فمن خلال هذه
العلامات يمكن للإنسان أن يتعرّف على الآيات التي تذكّر بذكر الله داخل البيت
الحرام.
فهم شرف البيت الحرام
من ثلاثة جوانب
وإذا جمعنا هذه
المعاني، فإننا نفهم شرف البيت الحرام من خلال ثلاثة أمور:
1.
أنه مكان رجوع
وعودة للناس.
2.
أنه مكان أمنٍ
وطمأنينة.
3.
أنه يحتوي على مقام
إبراهيم عليه السلام.
ومن خلال هذه المعاني
الثلاثة نستطيع أن ندرك شرف البيت الحرام.
معنى كون البيت
الحرام مكانًا للرجوع
أولًا لنتعرّف على
معنى الرجوع أو العودة.
إذا نظرنا إلى
البشرية كلها، نجد أن البداية كانت مع آدم عليه السلام. فقد خلقه الله وخلق
له زوجته، وأسكنهما الجنة. ثم بعد مخالفتهما للأمر الإلهي خرجا من الجنة إلى
الأرض، واستمر نسلهما في الحياة على هذه الأرض.
لكن الإنسان وأبناءه
جميعًا يتطلعون في النهاية إلى العودة إلى الجنة.
فكيف يمكن العودة إلى
الجنة؟
لا يكون ذلك إلا من خلال
المعرفة الكاملة بربّ العالمين وعبادته.
وقد قال الله تعالى
في سورة قريش، الآية الثالثة:
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَـٰذَا الْبَيْتِ﴾
صفات ربّ البيت
فربّ هذا البيت هو ربّ
العالمين. وقد وصف نفسه بأنه:
ليس كمثله شيء.
ومع ذلك فقد خلق الله
آدم وذريته في عالمٍ مليء بالأشياء المتشابهة، وأعطانا:
- أجسادًا مادية
- وحاجات مادية
قوية
كما منحنا حرية
الاختيار، ولذلك تظهر الشهوات والرغبات.
ولهذا فإن أبناء آدم
كثيرًا ما ينشغلون بالماديات وينسون ربهم، بل قد يتبعون أهواءهم فيقعون في الشرك،
فيصنعون التماثيل ويشبهون الخالق بالمخلوق.
ومن كان في هذه
الحالة لا يمكنه العودة إلى الجنة.
رحمة الله بالإنسان
لكن ربّ العالمين رحيم
بعباده.
فقد أذن للإنسان أن
يسعى في الأرض ويطلب رزقه ونِعَمه.
فالناس يبنون في
الأرض أنواعًا مختلفة من البيوت، مثل:
- بيوت للراحة
- بيوت للمعيشة
- بيوت للعمل
- بيوت للأنشطة
والاهتمامات المختلفة
لكن الله لم يكتفِ
بأن يسمح للإنسان ببناء بيوت لنفسه، بل جعل أيضًا بيتًا له سبحانه، وهو
البيت الحرام.
وذلك لكي تبقى قلوب
الناس متعلقة بربهم، فلا ينسونه، بل:
- يذكرونه
- ويحمدونه
- ويعبدونه
طلبًا للعودة إلى
الجنة في الآخرة.
نعمة الهداية والحج
كما أن الله لم يجعل
البيت الحرام مجرد بناء، بل أرسل الأنبياء والرسل لهداية الناس.
وفي النهاية أرسل النبي
الخاتم محمد ﷺ، وشرع للناس فريضة الحج.
فالحج عبادة عظيمة
جعلها الله هداية ورحمة للناس.
الغاية من زيارة
البيت الحرام
فمهما سعى الإنسان في
الدنيا لجمع المال أو تحقيق رغباته أو بناء البيوت، فإنه لا ينبغي أن ينسى أن عليه
في حياته مرة واحدة على الأقل إن استطاع أن يزور بيت الله الحرام.
فهذا الارتباط ببيت
الله يذكّر الإنسان بالآخرة.
ومن كان مؤمنًا
بالآخرة يعلم أن البيت الحقيقي الذي يرجع إليه هو بيت الجنة.
ولذلك يزور بيت الله
في الدنيا، لأنه يعلم أن:
- الله خلقه
- والله يميته
- والله يبعثه مرة
أخرى
ومن لم يشرك بالله
وكان من الذاكرين له، فإن له في الجنة دارًا ومأوى.
وبذلك يكون له بيتٌ
في الجنة، وهو الموطن الحقيقي الذي يرجع إليه.
شرف البيت الحرام
بوصفه موضع أمن
الآن نتعرّف على شرف
البيت الحرام من خلال صفة الأمن التي يتميّز بها.
فإن خالق العالمين
يتّصف بصفة عظيمة، وهي أنه مالك الملك وصاحب السلطان. وله سبحانه صفة إصدار
الأمر بإرادته المطلقة من خلال كلامه، كما أن له روحًا مقدّسة متعالية لا يمكن أن
تُقارن بأي شيء. وهذه الصفات كلها لا يمكن أن يُشابهها أو يُماثلها شيء.
فأوامره وإرادته التي
يصدرها بكلامه يجب أن تُطاع وتُنفَّذ، ولا يجوز مخالفتها.
مكانة الإنسان في
الأرض
لقد خُلق الإنسان في
منزلة كريمة ليكون خليفة في الأرض.
فكيف يستخلف الإنسان
في الأرض؟
إن الله علّم الإنسان
بكلامه كيف يمكنه أن يعيش في الأرض ويظهر فيها نظام الحكم والسلطان. كما أن الله
منح الإنسان:
- الروح
- العقل
- والقدرة على
التعلّم
وبسبب حاجات الجسد
ورغباته يسعى الإنسان إلى:
- اكتساب العلم
- والحكمة
- والقوة
- والعمل
- والصفات
الأخلاقية والفضائل
كما أن الروح التي
منحها الله للإنسان تجعله قادرًا على تلقي الوحي الإلهي.
ولهذا يستطيع الإنسان
أن ينطق بكلام الله، وأن يجعل سلوكه موافقًا لإرادة الله، فتظهر في أعماله صفات
الخير والجمال، وبذلك ينال الإنسان مكانة كريمة في الأرض.
لكن مهما بلغ الإنسان
من:
- روح طاهرة
- أو منزلة عالية
- أو صفات جميلة
فإنه لا يمكن أن
يُقارن بربّ العالمين، مالك الملك ومدبّر الكون.
فصفاته المقدّسة
وإرادته المطلقة لا مثيل لها.
عاقبة مخالفة أمر
الله
فمن يشرك بالله أو
يخالف أوامره ينال العقاب.
فعلى سبيل المثال،
عندما خالف آدم عليه السلام أمر الله خرج من الجنة مباشرة.
وكذلك كل من يأتي
بعده إذا خالف أمر الله أو حاول أن يُشرك به أو ينازعه سلطانه، فإن الله قد أعدّ
له أنواعًا مختلفة من العقوبات، وأشدّها عذاب النار في الآخرة.
الحكمة من وجود البيت
الحرام
ومن أجل أن يتجنّب
الإنسان هذا العقاب، وليحصل على الأمن في الدنيا والآخرة، جعل الله لبيته
الأول في الأرض صفة أخرى، وهي أنه مسجد.
أي أنه مكان:
- للصلاة
- والقيام لله
- والركوع له
- والسجود له
وقد أرسل الله
الأنبياء والرسل باستمرار ليهدوا الناس، وليعلموهم ألا يشركوا بالله وألا
ينازعوه سلطانه.
كما جعل الله في
الأرض أول بيت يُعبد فيه، وله معنى عظيم، وهو أنه مسجد، أي مكان
للعبادة والخضوع لله.
علاقة البيت الحرام بمعرفة
العبد لربه
عندما يدرك الإنسان
أن كل ما لديه من:
- صفات جميلة
- وفضائل
- ومكانة وسلطة في
الأرض
إنما هي آيات تدل
على ملك الله وسلطانه، فإنه يخضع لله بالركوع والسجود.
وعندها يفهم معنى هذا
البيت، ويحترم مكانته ويعرف ما فيه من دلالات عظيمة.
حفظ الله للبيت
الحرام
إن ربّ العالمين يتولى
بنفسه حماية هذا البيت.
فمجرد وجود هذا البيت
في الأرض هو نعمة عظيمة للناس، لأنه يوجّههم إلى الهداية.
فوجود البيت الحرام
يذكّر البشر بأن عليهم أن يسجدوا لرب هذا البيت، وأن كل نعمة في الأرض لا يمكن أن
تُقارن بسلطانه، لأن سلطان الله هو الأعلى والأعظم.
ولهذا فإن كل من يملك
سلطة في الأرض يجب عليه أن يخضع لله.
مثال تاريخي على
حماية الله للبيت
ومن أمثلة ذلك ما حدث
في التاريخ عندما جاء أبرهة في عام الفيل، وهو العام الذي وُلد فيه النبي ﷺ.
فقد جاء بجيشٍ من
الفيلة ليهدم البيت الحرام، لكن الله أهلكه ودمر جيشه.
وكان ذلك آية
واضحة على حماية الله لبيته.
الإسلام وحماية
المسجد الحرام
كما أن ربّ العالمين
أنزل للبشر دينًا يرضاه لهم، وهو الإسلام، وهو دين قائم على الجزاء والحساب.
وعندما يعيش الناس
وفق تعاليم الإسلام الحقيقية، فإنهم يصبحون حماة للمسجد الحرام.
فالمسلمون الذين
يلتزمون بالإسلام ينظمون حياتهم وفق تعاليمه، ويؤدون عباداتهم كما أمر الله.
ارتباط الصلاة بالبيت
الحرام
فالمسلم يؤدي الصلوات
الخمس يوميًا متوجهًا نحو القبلة، أي نحو المسجد الحرام.
ولهذا فإن المسجد
الحرام ليس وحده الذي له شرف، بل إن كل مسجد في الأرض يكتسب شرفًا أيضًا
بسبب ارتباطه بالعبادة والتوجه إلى بيت الله.
وبذلك يصبح للمساجد
في الأرض كلها مكانة عظيمة مرتبطة بالبيت الحرام.
الصلاة شاهد على شرف
المسجد الحرام
كما أن للمسلمين صلاة
الجمعة كل أسبوع التي يجتمعون فيها للصلاة.
ومن خلال عبادة الصلاة عمومًا يظهر شرف المسجد الحرام بوصفه أعظم
دليل وشاهد.
فالإنسان الذي يلتزم
بالصلاة طوال حياته هو إنسان يخاف ربَّ يوم الجزاء.
وهو يعلم أن الملك الحقّ قد جعل في كلامه:
- معيار الحلال
والحرام
- ومعيار الخير
والشر
- ومعيار الحق
والباطل
وأن هذه المعايير يجب
اتباعها وتنفيذها.
فهو يعلم أنه إن لم
يوجد معيار للحلال والحرام فإن النار قد أُعدّت.
وإن لم يوجد معيار للخير والشر فإن الحساب في الآخرة واقع لا محالة.
وإن لم يوجد معيار للصدق والباطل فلن يستطيع الإنسان العبور على الصراط.
ولهذا فإن الذين
يبلغون حقيقة الصلاة، ويقفون لله ويركعون ويسجدون له بخشية، وهم يذكرون ربهم
متجهين إلى البيت الحرام، فإنهم لا يشهدون فقط بشرف المسجد الحرام، بل يشهدون
بحقيقة أعمق.
فهم يشهدون أن مدبّر
العالمين له روح مقدسة متعالية، وأن الأمر والإرادة الكامنين في كلامه لا
مثيل لهما، وأنه سبحانه هو الذي يجب طاعته وعبادته والسجود له.
وبهذا الشهود، فإن
المؤمن عندما يؤدي صلواته الخمس يوميًا متوجهًا نحو المسجد الحرام ويسجد
لربه، يكون بذلك شاهدًا على شرف المسجد الحرام ومكانته.
ثالثًا: مقام إبراهيم
ومعناه في شرف البيت الحرام
والآن نأتي إلى
النقطة الثالثة، وهي المقام الذي يقف عليه إبراهيم عليه السلام، وما يحمله
من معنى يبيّن شرف البيت الحرام.
ولكي نفهم شرف هذا
المقام بوصفه دليلًا على شرف البيت الحرام، لا بد أولًا من معرفة مكانة إبراهيم
عليه السلام.
فقد سمّى الله
إبراهيم خليلًا له.
ونحن نعلم أن الله
يسمّي بعض عباده الذين يعبدونه أولياء له، لكن إبراهيم عليه السلام نال
منزلة أعلى، إذ سماه الله خليلًا.
معنى الخليل
فما معنى الخليل؟
معناه أن الله يكون
معه قريبًا منه لا يفارقه، وكأنه معه دائمًا.
وفي اللغة العربية يُعبَّر عن هذا المعنى بكلمة “مع”.
وهذا المقام العظيم
لا يُنال إلا بنعمة عظيمة من الله، وهي محبة خاصة من الله لعبده.
وقد نال إبراهيم هذه
المنزلة لأنه عبد الله طوال حياته.
شهادة إبراهيم
بوحدانية الله
لقد شهد إبراهيم
بحياته كلها أن رب العالمين واحد يجب أن يُعبد وحده.
فقد أنكر تمامًا
الأصنام التي كان المشركون يعبدونها، ووصل إلى يقينٍ كامل بأن لقاء الله حق،
وآمن بأن لله ذاتًا حقيقية.
ثم ابتلاه الله بعد
ذلك ابتلاءً عظيمًا، فأمره أن يذبح ابنه.
وكان هذا الابن ابنه
الوحيد آنذاك وأكبر أبنائه.
ومع ذلك أطاع إبراهيم
أمر الله واستعد لذبح ابنه، فشهد بذلك أن أمر ملك الملوك لا يُعصى، وأن
الله يملك الإرادة المطلقة.
فهذا الابن كان نعمة
من الله، ثم أمره الله بذبحه، فدلّ ذلك على أن الله يفعل ما يشاء ويأمر بما
يشاء.
رفع إبراهيم لشأن
كلام الله
لقد رفع إبراهيم شأن
كلام الله؛ لأن الأمر بذبح ابنه جاءه في المنام.
والرؤيا الصادقة هي
إحدى الطرق التي يخاطب الله بها عباده الصالحين، وهو ما يسمى الكلام من وراء
حجاب.
ومع ذلك قبل إبراهيم
هذا الأمر.
فقد قدّم نفسه وأعز
ما يملك، وهو ابنه الذي يحبه حبًا فطريًا، ليشهد بحياته كلها على وجوب تنفيذ
أمر الله ورفع شأن كلامه.
كما شهد إبراهيم:
- بأن لقاء الله
في الآخرة حق
- وأن الله هو
الملك الذي يجب عبادته
- وأن الجزاء
والعقاب في الآخرة واقعان لا محالة
نداء الله لإبراهيم
وعندما كان إبراهيم
على وشك ذبح ابنه، ناداه الله كما ورد في سورة الصافات:
الآية 104:
﴿وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ﴾
الآية 105:
﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ﴾
ثم قال تعالى في الآية
109:
﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾
تجربة إبراهيم في
معية الله
عندها أدرك إبراهيم
تجربة عظيمة، وهي أنه يشعر بأن الله معه.
فكل حركاته وأفعاله
كانت تحت نظر الله وسمعه، وكان الله يشهد ما يفعل.
ولذلك عندما كان على
وشك ذبح ابنه ناداه الله، وجعل كبشًا فداءً لابنه.
ثم جعل الله هذا
العمل شعيرة من شعائر الحج، حيث يذبح الناس الأضاحي إحياءً لهذه الذكرى.
اليقين الثالث الذي
وصل إليه إبراهيم
ومن خلال هذه التجربة
وصل إبراهيم إلى يقينٍ جديد، وهو اليقين الثالث.
فقد أدرك أن كل النعم
التي يمنحها الله لنا في الدنيا إنما ينبغي أن تُستعمل في طريق الخير.
فما يمرّ به الإنسان
من:
- النعم
- أو الابتلاءات
ينبغي أن يكون طريقًا
لعمل الخير، طلبًا للقاء الله في الآخرة.
لأن محبة الله، وهو
الرحمن الرحيم، هي المحبة الباقية.
أما ما نحصل عليه في
الدنيا من:
- ثروات مادية
- أو ثروات معنوية
- أو مشاعر ومحبة
بين الناس
فينبغي أن يكون كل
ذلك وسيلة لعمل الخير والسعي لنيل محبة الله تعالى.
مقام إبراهيم شاهد
على محبة الله لعبده
إن أثر مقام
إبراهيم يشهد على أن العبد إذا سعى لطلب محبة الله فإنه قد ينال هذه
المحبة.
فإذا نال الإنسان
محبة رب العالمين الرحمن الرحيم، فإنه ينال بذلك بركة الدارين.
فالربّ الرحمن الرحيم
يمنح عبده الذي أحبه:
- بركة في الدنيا
- وثوابًا أعظم
في الآخرة
ومن أعظم هذا الثواب
في الآخرة رؤية الربّ الرحمن الرحيم.
ولهذا، عندما نقف للصلاة
عند مقام إبراهيم ينبغي أن نبلغ يقينًا راسخًا، وهو:
- الإيمان بأن لقاء
الله حق
- وأن رؤية
الله في الآخرة حق
ولكي نبلغ هذا اليقين
لا نقتدي فقط بإبراهيم عليه السلام بوصفه قدوة عظيمة، بل نتذكر كذلك:
- أثر جري
زوجته هاجر أم إسماعيل بين الصفا والمروة
- وأثر ماء زمزم
فكل هذه الآيات
تذكّرنا بهذه المرأة الصالحة، وتعلّمنا التوكّل الحقيقي على الله والصبر.
ذكر إسماعيل عليه
السلام
كما أن الحِجر
الصغير المرتبط بإسماعيل عليه السلام يعدّ علامة أخرى، يذكّرنا بطاعة عبدٍ من
عباد الله لرسوله.
فقد أطاع إسماعيل
أباه عندما أمره بتنفيذ أمر الله، فكان بذلك مطيعًا لأبيه الذي كان رسولًا،
ومطيعًا لله في الوقت نفسه.
ولهذا ينبغي لنا في
حياتنا، ومع ما يمنحنا الله من حياة وما يقدّره لنا من ابتلاءات، أن نتعلم من
هؤلاء الصالحين.
وبذلك يمكن أن نصبح
نحن أيضًا من أهل اليقين.
معاني الآيات في
البيت المبارك
وعندما نتذكّر هذه
الآيات الموجودة في البيت المبارك، مثل:
- مقام إبراهيم
- الحِجر المرتبط
بإسماعيل
- السعي بين الصفا
والمروة
- ماء زمزم
فإننا نسأل الله أن
يهدينا لنأخذ منها العبرة، وأن نسعى لطلب محبته سبحانه.
ونسأله أن يجعلنا:
- من الصابرين
- ومن المتوكّلين
- ومن المتقين
- ومن المحسنين
- ومن الطاهرين
- ومن التائبين
- ومن المجاهدين
في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص
فهؤلاء هم العباد
الذين ذكر الله في كتابه أنهم الذين يحبهم الله.
ثمار محبة الله
فإذا نال الإنسان محبة
الله، فإنه ينال بذلك نعمة البركة في الدنيا والآخرة.
وبهذا نعظّم أيضًا بيت
الله المكرّم (البيت الحرام) ونرفع من شأنه.
وفي الختام نسأل
ربّنا أن يرحمنا، وأن يرزقنا قلوبًا تتعلّق ببيته الشريف.
ونسأله أن يوفّقنا
لأداء الحج على الوجه الأكمل وأن يتقبّله منا.
ونسأله أن يكرمنا
بالوقوف في بيته العظيم:
- قائمين
- راكعين
- ساجدين
نسبّحه ونمجّده
ونحمده.
ونسأله أن يغفر لنا.
يا رب آمين.
نكتفي بهذا القدر من
المشاركة اليوم، وإن كان في كلامي خطأ أو تقصير في البيان، فأسأل الله العظيم أن
يغفر لي، وأرجو من الإخوة والأخوات المعذرة.
جزاكم الله خيرًا على
حسن الاستماع والمشاركة.
والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.
تعليقات
إرسال تعليق