أعمال تُغفلها في ليلة القدر ولا ينبغي أن تفوتك
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
أيها الإخوة والأخوات
في المجموعة، السلام عليكم!
الحمد لله العلي
العظيم، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن
جميع الصحابة الكرام.
موضوع اليوم: الأدعية
والأعمال الصالحة التي يسهل إغفالها في ليلة القدر
أنزل ربنا القرآن
الكريم في ليلة القدر المباركة، فنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. وفي هذه
الليلة المباركة يُقدِّر ربنا الأرزاق لعباده وسائر مخلوقاته المحتاجة إلى الرزق.
وفي هذه الليلة تتجلى النعم العظيمة، إذ تُوزَّع فيها أرزاق البشر وآجالهم
وأعمالهم وسعادتهم وشقاوتهم.
يقول ربنا تبارك
وتعالى في سورة الرعد، الآية الكريمة التاسعة والثلاثين:
﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ
وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾
وقد تعددت أقوال
العلماء في تفسير هذه الآية الكريمة؛ فمنهم من قال إن الله عز وجل نسخ بعض أحكام
الكتب السابقة، ثم نسخها جميعاً بالقرآن الكريم نسخاً تاماً.
ومنهم من ذهب إلى —
وهو قول بعض الصحابة الكرام كسيدنا عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله
عنهما — أن هذه الآية تتعلق بمسائل القضاء والقدر، وأن الله سبحانه وتعالى يُثبت
ما يشاء ويمحو ما يشاء وفق إرادته، وأن في الآية إشارةً إلى مسائل القدر الإلهي.
لذلك فإن هذه الليلة
بالغة الشرف والمكانة، وقد أرشدنا نبيّنا ﷺ إلى الإكثار من الاستغفار فيها.
ففي سنن الترمذي،
يروي الإمام أحمد رحمه الله، أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت: "يا رسول الله، إن
وافقتُ ليلة القدر، فبماذا أدعو؟" فقال ﷺ: "قولي: اللهم إنك
عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني."
وهذا الدعاء بحدّ
ذاته استغفارٌ وتضرّع. فمن استغفر ربه فاز بالأمان في حياته كلها، إذ يقول ربنا
تبارك وتعالى في سورة هود، الآية الثالثة:
﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا
رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ
مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾
ومن هذه الآية
الكريمة نستفيد أن الاستغفار يجلب نعمةً عظيمة، وهي المتاع الحسن إلى أجلٍ مسمى،
أي حياةً طيبة هانئة مادام العبد حياً، مع ما يغدقه الله من فضله ورحمته. فهذا هو
الخير الذي ينبغي أن نسعى إليه في ليلة القدر المباركة.
ولكون هذه الليلة
ليلةَ قدرٍ وتقدير، فلا يكفي أن نؤمن فحسب بأن الله أنزل فيها القرآن الكريم من
اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزّله منجَّماً على خاتم الأنبياء ﷺ في
ثلاثةٍ وعشرين عاماً. فهذا القرآن هو المنهج الرباني الهادي للبشرية، المتضمّن
لتعاليم الله وإرشاداته في كيفية طلب الرزق طوال العمر، وكيفية التعامل مع الأجل
والعمل، وكيفية التوكل على الله وتقواه في مواجهة النعمة والنقمة.
وبما أن ليلة القدر
هي أيضاً ليلة التقدير، فقد توقّف بعض العلماء عند الآية الكريمة السالفة الذكر من
سورة الرعد: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ
الْكِتَابِ ﴾.
وفي تفسير ابن كثير عند
شرح هذه الآية: قال منصور: سألتُ مجاهداً عمّن
يدعو قائلاً: "اللهم إن كان اسمي في
السعداء فأثبته، وإن كان في الأشقياء فامحه واجعله في السعداء" — فهل هذا الدعاء حسن؟
فقال مجاهد: نعم، هذا دعاءٌ حسن. ثم لقيته بعد نحو عام فأعدتُ عليه السؤال، فتلا
عليّ قوله تعالى في سورة الدخان، الآية الثالثة: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي
لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾، وقال: إن الله يقضي في ليلة القدر المباركة ما يجري في
تلك السنة، ويُقدّر فيها أرزاق العباد وما يصيبهم من بلاء، ويُقدّم بعض الأمور
ويؤخر أخرى وفق مشيئته، أما صحيفة السعادة والشقاء فهي ثابتةٌ لا تتبدل.
ومن فهم السلف الصالح
لهذه الآيات نستخلص الدرس والعبرة: فنحن في العشر الأواخر نتحرّى ليلة القدر،
ونحرص على الدعاء كما فسّره أئمة التفسير، وكما كان السلف الصالح يتضرعون إلى ربهم.
وفي تفسير الطبري نجد
أن أبا وائل رحمه الله كان يُكثر من هذا الدعاء:
"اللهم إن كنتَ
كتبتَني في الأشقياء فامحُ اسمي، واكتبني في السعداء، وإن كنتَ كتبتَني سعيداً
فأثبت اسمي، فإنك تمحو ما تشاء وتُثبت، وعندك أمّ الكتاب."
وحين ندعو بمثل هذا
الدعاء، فإننا لا نُقرّ فحسب بأن ليلة القدر ذات معنىً تقديري عميق، وأن ربنا
يُقسّم فيها أرزاق المخلوقات على وجه الأرض — بل نُعلن كذلك يقيننا بأننا نتضرع
إلى الله وحده، نسأله الخير ونستدفع به البلاء. وفي هذا إقرارٌ بتوحيد الربوبية.
وقد أرشدنا نبيّنا ﷺ
إلى الإكثار من الاستغفار، وفي ذلك إقرارٌ بتوحيد الربوبية. وبما أن ليلة القدر هي
ليلة إنزال الكتاب، وهذا الكتاب يهدينا إلى كيفية عبادة الله على وجه التحديد،
فهذا إقرارٌ بتوحيد الألوهية. وحين ندعو فإننا ننادي الله بأسمائه الحسنى، وحين
نتلو القرآن الكريم ونتدبّره فإننا نتعرّف على أسماء ربنا وصفاته، وفي ذلك إقرارٌ
بتوحيد الأسماء والصفات ونفيٌ لكل شريك. وهذه كلها صفاتٌ جوهرية لذكر الله تعالى.
وقد وصف ربنا ليلة
القدر بأنها ليلة سلام، فقال سبحانه: ﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ
﴾. ولكونها ليلة سلام، تتنزّل فيها الملائكة والروح، وقد ذهب العلماء في تفسير
"الروح" إلى أنه جبريل عليه السلام. وتُسلّم الملائكة في تلك الليلة على
عباد الله الذاكرين، إذ إن ليلة القدر هي ليلة نزول القرآن، فيتلوه عباد الله في
أرجاء المعمورة. وحين يُقبل الناس على تلاوة القرآن، تتنزّل الملائكة وتُحدق
بمجالس الذكر من كل جانب، وتضع أجنحتها لطلاب العلم الصادقين — كما جاء في الحديث
الشريف.
فإذا تلا العباد
القرآن في ليلة القدر، اقتربت الملائكة منهم وحيّتهم بالسلام. لذلك ينبغي لنا في
ليلة القدر أن نُكثر من السلام على الملائكة الكرام. وإن كانت أعيننا لا تُبصرهم،
فلنوقن بهم ونُؤمن إيماناً راسخاً، فقد أخبرنا ربنا في خاتمة سورة الصافات:
﴿ وَسَلَامٌ عَلَى
الْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٨٢﴾ ﴾
وكلمة ﴿
الْمُرْسَلِينَ ﴾ تشمل معنيين: المرسَلون من البشر وهم الأنبياء والرسل عليهم
السلام، والمرسَلون من الملائكة وهم رسل الله من عالم الغيب. فعلينا في ليلة القدر
أن نكون من المُقرّين بسلام تلك الليلة، نُسلّم على الملائكة، ونُسلّم على
المرسلين. وأعلى مراتب السلام وأشرفها: الصلاة والسلام على خاتم الأنبياء
والمرسلين ﷺ.
فالدعاء الذي لا
يُختتم بالصلاة على النبي ﷺ لا يرتفع إلى الله تعالى. فلنحرص على ذلك في دعائنا،
سائلين الله المغفرة والعفو والرحمة وما قدّره من خير وفضل.
وفي سنن أبي داود،
يروي فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يدعو في صلاته دون أن
يحمد الله ويصلي على النبي ﷺ، فقال ﷺ: "عَجِلَ هذا .. ثم
دعاه وقال له وللحاضرين: "إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي ﷺ،
ثم ليدعُ بعد ذلك بما شاء."
وفي هذه الليلة
المباركة ليلة السلام، أخبرنا ربنا أنه هو السلام، فلنُكثر من السلام على الملائكة
الكرام وعلى المرسلين من البشر وعلى خاتمهم ﷺ. فحين نُسلّم نُقرّ بأن هذه ليلةٌ
موسومة بالسلام، ونُقرّ بأن لربنا الخالق صفةَ السلام والإسلام. ونصبح بذلك شواهد
على أن مسيرتنا في طلب الرزق والعمر والعمل، وفي مواجهة النعمة والبلاء، كلها
مغمورةٌ بسلام الله وبركاته.
وحين ندرك أن مسيرتنا
في طلب الرزق والعمر والعمل، وفي مواجهة النعمة والبلاء، محفوفةٌ ببركات الله
ورعايته، تتجه قلوبنا تلقائياً إلى اتباع الكتاب الذي أنزله ربنا. فالقرآن الكريم
الذي نزل في هذه الليلة الشريفة يتضمّن منهجاً واضحاً: كيف نطلب الرزق، وكيف
نتعامل مع ما قُدّر لنا من عمر، وكيف نؤدي أعمالنا، وكيف نكون في النعمة من الشاكرين
وفي البلاء من الصابرين.
فحين نُسلّم على
المرسلين — بمن فيهم الملائكة الكرام — نغدو مُقرّين بوجوب اتباع طريقهم: نقتدي
بالرسل في منهجهم، ونتعلم من الملائكة كيف يكون العبد مُنقاداً لإرادة الله،
مُوافقاً لمشيئته، مُمتثلاً لأوامره.
هذا ما أردنا مشاركته
اليوم، نسأل الله أن يزيدنا هدىً، وأن يُتمّ علينا نعمته، وأن يغفر لنا ما وقعنا
فيه من غفلة وتقصير.
الحمد لله رب
العالمين
اللهم صلِّ وسلِّم
وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد.
والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته
تعليقات
إرسال تعليق