(45) سورة البقرة - معنى المسجد في الإسلام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أيها الإخوة والأخوات في المجموعة! الحمد لله العلي العظيم، وصلوات وتسليمات لا تُحصى على خاتم أنبيائه محمد ﷺ، ورضي الله عن جميع الصحابة الكرام.
موضوعنا اليوم هو: التعرف على معنى كلمة "مسجد"
مسجد مفردها، وجمعها مساجد. وقد أقرن الله تعالى اسمه الكريم بالمساجد مباشرةً
في القرآن الكريم، فقال: ﴿مَسَاجِدَ
اللَّهِ﴾. وكلمة "مسجد" في اللغة العربية مشتقة من
الفعل "سجد"، وقد
اقترن بها حرف الميم ليصبح اسم مكان، فصار "المسجد".
أولاً: نعلم أن للمسجد معنىً بالغ الأهمية، إذ هو
المكان الذي يسجد فيه الإنسان لربه ويؤدي الصلاة. ومساجد الله تعالى شريفة كريمة؛
فالإنسان الذي أُكرم بالخلافة في الأرض، وكل مؤمن عامل للصالحات، يتسم بسمة جوهرية
ألا وهي السجود لرب العالمين والإله الحق المعبود وحده. وقد فرض الله علينا الصلاة
عبادةً عظيمة تتضمن السجود بين أركانها. ومن هنا تتجلى أول سمات المسجد وهي شرفه
وعلو مكانته؛ فالإنسان وإن كان أشرف المخلوقات وأكرمها، إلا أنه خُلق ليسجد لربه
ويتعبد له، فكان المسجد الذي يحمل معنى العبادة لله تعالى مكاناً شريفاً رفيع
المقام.
وقد ذكر ربنا تعالى في كتابه العزيز نوعاً من الناس
هم أشد الناس ظلماً، وهم الذين يصدون الناس عن المساجد ويمنعونهم من ذكر اسم الله
فيها، بل يسعون إلى هدمها وتخريبها.
وفي ذلك نقرأ قوله تعالى في الآية ١١٤ من سورة
البقرة:
﴿وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ
فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ
ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
ومن هذه الآية الكريمة يتبيّن لنا شرف المسجد
وعظمته؛ إذ يُعدّ من أشد الناس ظلماً ذلك الذي يصد الآخرين عن دخوله، فكيف إذا
أضاف إلى ذلك السعي في هدمه وتخريبه؟
وقد نزلت هذه الآية في شأن مشركي عصر النبي محمد ﷺ،
الذين منعوا النبي ﷺ وأصحابه من أداء العمرة والدخول إلى المسجد الحرام لإتمام
شعائرها، فانتهت تلك العمرة عند الحديبية وعاد المسلمون إلى المدينة المنورة.
فأنزل الله تعالى هذه الآية مبيّناً أن الذين يصدون الناس عن ذكر اسمه في المسجد
الحرام ويسعون في خرابه هم أشد الناس ظلماً وأعظمهم جرماً.
ومن هنا يُدرك المؤمن مكانة مساجد الله تعالى
وشرفها، لما تحمله من معاني الذكر والتعظيم لله عز وجل.
وبما أن المسجد يحمل في جوهره معنى عبادة الإنسان لربه وسجوده له، فإننا
سنستهل حديثنا بالتعرف على القبلة التي أودعها الله تعالى في مسجده هديةً للبشرية .
ففي الآية السادسة والتسعين من سورة آل عمران نتعلم قوله تعالى:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ
لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾
ثم جاء المسجد الأقصى ليكون قبلةً للبشرية، وحين اكتملت النعمة على
الإنسانية بنبينا محمد ﷺ، أعاد الله تعالى القبلة إلى المسجد الحرام. وكل مسجد في
شرق الأرض وغربها، أينما شُيّد وحيثما أُقيم، يتجه في صلاته نحو الكعبة المشرفة —
الحجر الأسود في المسجد الحرام — قبلةً من الله للبشرية جمعاء.
ولنتعرف على معنى المسجد الحرام الذي يحمل دلالة كل مسجد؛ إذ أطلق الله
تعالى على هذا المسجد في كتابه العزيز اسم المسجد الحرام، مستخدماً كلمة "حرام" بمعنى المحظور والممنوع. فانطلاقاً من فهم ما حرّمه الله فيه، يمكننا
إدراك الأسرار التي يكتنزها المسجد.
وإذ كان المسجد مكاناً للسجود لله، فإنه يقتضي بالضرورة البراءة التامة من
الإشراك به. فمن سجد وفي قلبه شرك، فسجوده ليس لله. ولهذا لا بد من الرجوع إلى ما
وصف الله به نفسه من صفات التنزيه عن الشريك والمثيل، لفهم المعنى العميق لهذا
المسجد.
إن الله خلق العالمين، والعالمون آياته، ولها بداية ونهاية، أما ذاته
سبحانه فأزلية أبدية حية قيومة، وليس كمثله شيء. ومن هنا تتأسس وحدانية وجوده،
وتنتفي عنه كل شركة ومشابهة.
ومعرفة وحدانية ذاته سبحانه تقوم على ركيزتين:
الأولى: التنزيه المطلق عن المشابهة، فهو سبحانه يتعالى عن كل تشبيه بمخلوقاته،
فلا يُتصور ولا يُعرف بما ألفناه في عالم الخلق.
الثانية: التنزيه عن الشريك من المخلوقات؛ فكل مخلوق هو آية من آياته، وما كان آيةً
مُحدَثة فانية فلا يستحق العبادة بحال. وأبرز ما وقع فيه المشركون عبر التاريخ هو
هذا الخطأ الجسيم: تصوير المخلوقات وتشبيهها بالخالق ثم الإشراك به.
وهكذا فإن أول ما تعنيه التوحيد في ذات الله — التوحيد الحقيقي — هو الإيقان بأنه الخالق ورب العالمين وحده، وأن كل مخلوق محتاج إليه متكئ
عليه، وأن كل ما له بداية ونهاية لا يصلح أن يكون شريكاً له ولا ندّاً. فالمخلوقات
كلها عاجزة منفعلة مقيدة محدودة، أما الخالق رب العالمين فله ذاته المطلقة، وهو
الأول والآخر الذي لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء، الحي القيوم الأزلي الأبدي. فكيف
يُساوَى بالمخلوق الحادث الفاني الناقص؟
وهذا أيضاً مما ينبغي التأمل فيه والتدبر.
والمسجد الحرام ليس وحده الذي يحمل هذه الحرمة، بل كل مسجد في الوجود أولى
ما يُحرَّم فيه وضع أي صنم أو تمثال يعبده المشركون.
فحين أيّد الله نبيّه محمداً ﷺ ونصره وفتح له مكة المكرمة، كان أول ما
بادر إليه ﷺ حين دخل المسجد الحرام: تحطيم تلك الأصنام الثلاثمئة والستين. وهذا في
ظاهره يعني أن المسجد لا يُقام فيه أي صنم أو تمثال معبود من دون الله.
أما في باطنه ومعناه العميق، فإن من يسجد في المسجد لله تعالى يجب أن
يُحقق أولاً كمال التوحيد، فلا يُشرك بالله شيئاً، ولا يتخذ من المخلوقات المحدودة
الفانية ندّاً لوحدانيته الذاتية. بل يشهد أن ذاته سبحانه لا يشبهه شيء، ولا يُشرك
به في ربوبيته الفردة المطلقة على العالمين. فهو الرب الواحد الذي لا شريك له،
والجوهر في ذلك أن كل المخلوقات حادثة فانية، وأما ذاته سبحانه فأزلية أبدية، وليس
كمثله شيء — هذه الشهادات كلها قائمة راسخة.
وهذه هي المعرفة التي ينبغي أن يستحضرها الإنسان في قلبه حين يسجد لربه.
وأما على صعيد السلوك والعمل، فالواجب اجتناب كل ما حرّم الله، وعدم السعي إلى
إشباع الرغبات بالطرق المحرمة، بل ينبغي السعي إلى نيل ما قدّره الله من أرزاق وفق
الحلال والحرام الذي شرعه الرب الجليل لإشباع الحاجات والرغبات.
فمن تجرأ على تجاهل هذه الحدود وتخطي موازين الحلال والحرام، ثم جاء إلى
المسجد ساجداً دون توبة صادقة ودون استشعار خطورة ما اقترفه واستهانةً بذلك — فإن
هذا يدل على أنه لا يرى في ربه ما يستوجب الإجلال والتعظيم، وأنه يُقدّم هواه
ويستجيب لنفسه، فيكون في حقيقته قد رفع من شأن نفسه. لذلك ينبغي أن يكون القادم
إلى المسجد طاهراً نقياً: طاهراً في روحه، نظيفاً في بدنه. فمن انعدمت فيه صفة
الطهارة وتجرأ على مخالفة ما شرعه الله للبشرية، فإنه في الحقيقة يُعلي من شأن
نفسه، وهذا الإعلاء للنفس ضرب من ضروب المعارضة لجلال الله الأعظم — وهذه الصفة لا
مكان لها في المسجد.
وقد أسمى الصينيون المسجد "清真" أي "النقاء والطهارة"، وفي هذه التسمية إشارة بليغة
إلى أن ربوبية الله في هذا الجانب لا تُضاهى ولا تُنازَع، وأن جلاله يجب أن يتجلى
ويظهر. فمن يأتي المسجد وهو مُصرٌّ على ذنوبه يحمل في سلوكه سمة النفاق العملي.
وهذا هو الركن الأول الذي ينبغي إدراكه مما يتضمنه المسجد من شرف وبركة:
أن يوحّد الإنسان ربه في ربوبيته، فلا يُشرك به من المخلوقات أحداً، ولا
يُشرك به بتعاليه بنفسه المذنبة في مقابل عظمة الله المطلقة. ويشهد أن لله ذاتاً
لا يشبهه فيها شيء، وأنه الحي القيوم الأزلي الأبدي، وأن الخلائق كلها من صنعه
ومقهورة تحت سلطانه لا تملك إلا الاستناد إليه والافتقار إليه.
وهذا أيضاً مما ينبغي التأمل فيه والتدبر.
المعنى الثاني للمسجد
ينبغي أن ندرك أن لله تعالى صفاتٍ ذاتية لا تُضاهى ولا تُنازَع، كروحه
وكلامه وأمره وإرادته، وكلها تتسم بالتعالي المطلق عن كل مشابهة. فقد خلق الله
الخلق، ونفخ في الإنسان من روحه، وأقدره على أن ينطق بلسانه بكلامه حين أوحى إليه،
فما يتلفظ به الإنسان من وحيه فهو كلامه سبحانه. وأقدر الإنسان على تنفيذ أوامره
والانقياد لإرادته، فصار المخلوق آيةً دالة على ما تضمنته ذاته سبحانه من روح
وكلام وأمر وإرادة.
غير أنه مهما بلغ الإنسان من هذه الصفات فصار بها آية، كأن ينطق بما أُذن
له بالنطق به من كلام الله، وكما كان آدم عليه السلام وملائكة الله الكرام يحملون
روحاً قدسية، وكما سُمي عيسى عليه السلام روحاً من الله فكان آيةً ظاهرة لروحه
سبحانه، وكما كان الأنبياء والرسل يأمرون بما أذن الله لهم بالأمر به، فيُظهرون ما
تضمنته الذات الإلهية من معانٍ عبر هذه الآيات — فإن الواجب مع ذلك كله أن يظل في
القلب يقينٌ راسخ بأن روح الله وكلامه وأمره وإرادته تتعالى وتتسامى عن كل تحديد
أو تقييد. فما يملكه المخلوق من هذه الصفات ليس إلا شاهداً ودليلاً، إذ لا يعدو أن
يكون آيةً من آياته.
وكل مخلوق حاز قسطاً من الروح القدسية، أو أُوتي شيئاً من صفة الأمر
والتوجيه، أو أُظهرت على يديه خوارق تجاوزت سنن القدر — فهو آيةٌ لا يستحق
العبادة، ولا يجوز أن يُقاس بروح الله المتعالية، ولا بقدرته المطلقة التي لا
تحدها قيود القدر، ولا بأمره وإرادته.
وقد وقعت البشرية في ضلال ثانٍ على هذا الصعيد، إذ رفعت أقواماً من عباد
الله إلى مرتبة الشركاء والأنداد؛ فاتخذ أهل الكتاب عيسى عليه السلام — وهو لا
يعدو كونه عبداً حاز روحاً قدسية — ابناً لله، كما رفعوا عزيراً لأنهم شهدوا على
يديه معجزات تجاوزت ظاهر السنن المقدرة. فقاسوا روح الله القدسية، وقدرته المطلقة
غير المحدودة بقدر، وأمره وإرادته — بما أُوتيه هؤلاء المخلوقون من آيات.
فكيف يعرف الإنسان روح الله القدسية؟ لا يعرفها إلا من خلال آياته. وكيف
يُدرك أن إرادته سبحانه حرة مطلقة، وأن أمره نافذ لا يقيده قدر؟ لا يُدرك ذلك إلا
من خلال آياته كذلك. والإنسان حين يجهل هذا الفارق يُعلي الآية ويرفعها، فيظن أن
من حاز هذه الصفات فصار آيةً لله يجوز مقارنته به، وتلك غفلة عظيمة وضلال مبين.
فأنّى لمخلوق أن يُقارَن بروح الله المتعالية البالغة الكمال المنزهة عن النقص؟
وأنّى له أن يُقارَن بكلامه الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون؟ فلا شيء في
الوجود يملك هذه القدرة سواه: خلق السماوات السبع والأرضين السبع في ستة أيام، وكل
ذلك لم يكن إلا بكلمة "كن"، وحين يُفني هذا الكون فلن يكون ذلك إلا
بـ"كن". فهل يستطيع عيسى عليه السلام الذي سُمي روحاً أن يفعل شيئاً من
ذلك؟ وهل يملك أيٌّ من الأنبياء والرسل الذين أجرى الله على أيديهم خوارق تجاوزت
ظاهر السنن، أو أيٌّ من عباد الله المكرمين، هذه القدرة؟
لذلك فإن الشهادة الثانية التي نُقرّها حين ندخل المسجد هي:
أن روح الله القدسية وكلامه وأمره وإرادته لا تُضاهى ولا تُنازَع، وأن كل
مخلوق حاز شيئاً من هذه الصفات فصار بها آية لا يجوز تعظيمه ورفعه فوق حده.
وحين نسجد في المسجد ونُدلي بهذه الشهادة، ينبغي أن تكون هذه المعاني
حاضرةً في الوجدان وراسخةً في الإدراك.
ولهذا المعنى بالذات لا تُوضع في المساجد الصلبانُ التي يضعها أهل الكتاب،
ولا الصور والتصاوير، ولا رسوم من اشتُهر من الناس، ولا ما يتخيله البعض من صور
الملائكة — إذ لا مكان في المسجد لأي شيء من هذا القبيل مما يضعه أهل الكتاب.
فليس في المسجد إلا ما يتصل بكلام الله تعالى: كتابه العزيز، ووحيه
المُنزَّل على نبيه محمد ﷺ من الحديث النبوي الشريف — هذا هو المظهر الذي يليق بالمسجد ويعبّر عن حقيقته.
وهذا أيضاً مما ينبغي التأمل فيه والتدبر.
ثانياً — ومن أبرز ما يتسم به المسجد أن من يدخله ساجداً لله يجب أن يكون صادق
اللسان، فلا يجري على لسانه إلا الحق، ولا يصدر عنه إلا الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وما يحمل الحق ويستوجب رضا الله. أما الكذب والزور، والثرثرة الفارغة، وكل
قول لا يكسب رضا الله — فلا مكان لشيء من ذلك في المسجد.
فالمسجد موضع الوقار والجلال، ومنبر الحق الخالص، وكل ما لا صلة له بالحق
ينبغي أن يُنفى عنه ويبتعد منه. هذه هي السمة الثانية البارزة التي ينبغي أن يتحلى
بها المسجد.
المعنى الثالث للمسجد
ثالثاً — نتعلم أن لله تعالى أسماءً حسنى وصفاتٍ عُلى لا تُحصى، فقد أخبرنا نبيّه
محمد ﷺ بتسعة وتسعين اسماً من أسمائه الكريمة، كما دلّت النصوص والعلماء على أن له
أسماءً كثيرة أخرى وراء ذلك. وأسماؤه الحسنى وصفاته العُلى تتضمن خيره ورحمته
بجميع الخلائق، وهي كذلك لا تُضاهى ولا تُنازَع.
وقد قال ربنا تعالى إن أشد الناس ظلماً هم الذين يصدون الناس عن المساجد
ويمنعونهم من ذكر اسمه فيها، وهذا يكشف عن سمة جوهرية للمسجد: أنه المكان المُعَدّ
لذكر اسمه سبحانه.
ونحن نعلم أن الخلائق كلها آيات الله، وأنه تعالى يتجلى في خيره من خلال
صفاته وأسمائه الحسنى الكثيرة. وهذه الخلائق وإن كانت كلها تسعى إلى خيره وتنشده،
إلا أن كلاً منها محدود في نطاقه ومقيّد في دائرته؛ فكل إنسان ينال من الخير
نصيباً يتجلى فيه جانب من جوانب صفاته وأسمائه الحسنى من زاوية مغايرة لغيره.
فمنهم من أُوتي العلم والحكمة، ومنهم من أُوتي القوة والمقدرة، ومنهم من أُوتي حسن
الخلق والفضيلة. وهكذا تتنوع الدوائر التي تتجلى فيها صفات الخير بين الخلائق
لتكون آياتٍ تدل عليه.
وقد شاء الله أن يذكر الناس أسماءه الحسنى في المساجد، وهذا يقتضي أن يكون
في كل مسجد جماعة مجتمعة على ذكر اسمه، وإن تفاوتت دوائر الآيات التي يحملها أفراد
هذه الجماعة وتباينت زوايا شهادتهم. ومن هنا شرع الله للإنسانية العبادة الجماعية
المشتركة بالسجود، وتجلى ذلك في صلاة الجماعة.
فمنها ما هو فريضة لازمة كصلاة الجمعة، ومنها ما يستحب فعله جماعةً في
المسجد لمن اتبع سنة النبي محمد ﷺ، كالحرص على أداء الصلوات الخمس في جماعة المسجد.
وهذا أيضاً مما ينبغي التأمل فيه والتدبر.ِِ
فالذين يقصدون المسجد سعياً إلى قبول الله لصلاتهم، ولا سيما المجتمعون
لصلاة الجمعة، يصطفون صفوفاً كالإخوة معاً يذكرون الله. فالإمام يتلو القرآن
الكريم، والمأمومون خلفه يستمعون ويُردّدون التسبيح والحمد والتعظيم والثناء على
الله. فتجتمع أصناف المؤمنين الصالحين: منهم صاحب الخلق الكريم، ومنهم صاحب
الفضيلة والمروءة، ومنهم صاحب العقل والبصيرة، ومنهم صاحب العزم والقوة — وكلهم
يرفعون أصواتهم بذكر الله وتمجيده وتسبيحه. وتلك هي الصورة الحقيقية لذكر اسم الله
العظيم.
فاجتماع المصلين في صلاة الجمعة بحد ذاته يجمع الأخيار ليرفعوا شهادتهم
معاً: إن رب العالمين، مالك الملك، الإله الحق الواحد المعبود، هو الخير كله
والحسن المطلق، وصفاته وأسماؤه الحسنى لا تُضاهى ولا تُنازَع. وسجود هؤلاء
الصالحين كلهم له يثبت أن كل مخلوق حاز نصيباً من الخير لا يرقى أن يُقارَن به
سبحانه، فهو وحده الخير المطلق الكامل الذي لا حدود لخيره، وكل آية من آياته تشهد
وتعلن: إنه الخير المطلق الذي لا يُضاهى، وإنه وحده المستحق للعبادة. فهذا الجمع
النبيل من الصالحين وهم يسجدون معاً مسبّحين، يشهدون أن خيره الكامل المطلق لا
يُضاهى، وأنه سبحانه الكريم الرحيم المنّان المستحق للعبادة.
ولأن صلاة الجماعة تجمع صفوة الصالحين بما أُوتوا من صفات الخير، فلا
ينبغي أن يُرى في المسجد نزاع ولا خلاف، ولا تضارب ولا تباغض ولا تحاسد، ولا أي
مظهر من مظاهر الشر والسوء — فتلك كلها لا مكان لها في المسجد، ولا يليق به إلا
مظاهر الخير والصلاح.
وانطلاقاً من هذه الوحدانية المطلقة لله في ربوبيته وقدرته وأسمائه
الحسنى، وكونه وحده المستحق للعبادة — فإن المسجد ينبغي أن يكون في كل جوانبه
شاهداً ومُجسِّداً لهذه الحقائق.
فمن دخل المسجد متهاوناً بحدود الله من الحلال والحرام، أو دخله لا ليتلو
القرآن ولا ليطلب العلم النافع ولا ليتلقى الموعظة الحسنة، بل ليعرض بضاعته ويروّج
لتجارته — فإنه لم يضع الحق في موضعه في بيت الله. وكذلك من يصخب في المسجد ويجادل
ويُثير الفتن والاضطرابات فإنه لم يوقّر بيت الله حق توقيره، وعدم توقيره لبيت
الله دليلٌ على هوان نفسه وضعة قدرها.
أما من دخل المسجد ذاكراً لله، موحِّداً له في ربوبيته وقدرته وأسمائه
وصفاته — فإنه لا بد أن يوقّر بيت الله؛ فلا يدخله وهو مُصرٌّ على ذنب، ولا ينطق
فيه بزور أو كذب، ولا يُثير بين الناس نزاعاً أو شقاقاً، بل يتجلى فيه بحق عبداً
ربانياً صادقاً.
وختاماً، نسأل الله العلي العظيم أن يهدينا ليكون المسجد مستقراً في
قلوبنا ومُعظَّماً في نفوسنا، وأن يجعلنا من عباده الموقّرين لبيوته.
هذا ما تيسّر بيانه في هذا اللقاء، وما كان فيه من خطأ أو إخلال في
التعبير فنسأل الله العظيم أن يغفره، ونعتذر لإخوتنا في المجموعة، وجزاكم الله
خيراً على المتابعة والمشاركة.
تعليقات
إرسال تعليق