(44) سورة البقرة - الحسد بين الإنس والجنّ: أسبابه وعلاجه في ضوء القرآن الكريم


الإخوة والأخوات في هذه المجموعة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نحمد الله العليّ العظيم، ونصلّي ونسلّم على خاتم الأنبياء محمد ﷺ عددًا لا يُحصى، ونسأل الله أن يرضى عن جميع الصحابة رضوان الله عليهم.

موضوعنا اليوم هو التعرّف على مرضٍ من أمراض القلوب التي يمتلكها الإنس والجنّ، وهو الحسد.
ونحاول الإجابة عن سؤال مهم:

بعد أن خلق ربّنا الإنسان، حسد إبليس — من جنس الجن — الإنسان. وقد اختار الله في القرآن أن يذكره بصفته «إبليس» المرتبطة بهذه الصفة، ولم يذكره مباشرة بلفظ «الجنّ» أو «شيطان»، بل أشار إليه من خلال هذه الخصيصة، وهي حسده للإنسان. ونريد أن نكشف شيئًا من الحكمة في ذلك.


حسد إبليس لآدم عليه السلام

في سورة الأعراف وسورة ص نتعلّم أن الله خلق آدم من طين، ثم نفخ فيه الروح، وأمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا جميعًا إلا إبليس الذي أبى.

سورة الأعراف – الآية 12

قال تعالى:
﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾

سورة ص – الآية 75

قال تعالى:
﴿يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ أستكبرت أم كنت من العالين﴾
قال:
﴿أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾

وبسبب مخالفته أمر الله حكم عليه ربّنا بالذل والطرد الأبدي.

ومن جوابه نستطيع أن ندرك أن إبليس هو أول مخلوق ظهر فيه وصف الحسد؛ إذ حسد مخلوقًا آخر وهو آدم عليه السلام. وظنّ أن خلقه من النار يجعله أشرف من المخلوق من الطين.

وهذه العبارة تتضمّن الجهل والعصيان لأمر الله، كما تكشف عن صفة أساسية فيه، وهي الحسد.


أولًا: طبيعة المخلوقات – الإنس والجنّ

لنتعرّف أولًا على مخلوقات الله، مع التركيز على الإنس والجنّ.

فقد خلق الله هذين الصنفين ومنحهما خاصية مشتركة، وهي امتلاك النَّفْس.

  • الإنس لديه النفس الإنسانية.
  • والجنّ لديهم أيضًا نفس أي ذاتهم الخاصة.

وعندما خُلقت هذه النفس أصبح لها احتياج، وأول ما تطلبه هو إشباع ذاتها.

طبيعة الإنسان

النفس الإنسانية لدى البشر لها رغبات مادية بسبب كون الإنسان مخلوقًا من طين.

طبيعة الجنّ

أما الجنّ فقد خلقهم الله من نار، وهم كيان روحي، ولذلك فإن ما يطلبونه هو تحقيق الإشباع الروحي.


طبيعة الملائكة

أما الملائكة وكذلك الحور والولدان المخلّدون، فهم في حالة دائمة من الطمأنينة الروحية.

فالملائكة يتصفون بصفة الروح الطاهرة:

  • خُلقوا لفعل الخير فقط
  • تنفيذ أوامر الله
  • تحقيق مشيئته

ولذلك تظهر فيهم خصائص:

  • التعاون
  • تقسيم الأدوار
  • الطاعة الكاملة

وهم لا يتصفون إلا بالخير:

  • يسبّحون الله
  • يحمدونه
  • ينفّذون أوامره دون مخالفة

كما أنهم يعلمون الحقيقة علمًا يقينيًا، وكل ما هو نفاق أو زيف لا علاقة لهم به.


خاصية الاختيار عند الإنسان والجنّ

أما الإنسان والجنّ فقد خُلقوا وهم يمتلكون النفس، وأُعطوا كذلك خاصية الاختيار الحر.

فالإنسان عندما يسعى لإشباع النفس يمكنه أن يختار بين:

  • الحلال
  • الحرام

وكذلك الجنّ، فإن اهتماماتهم الروحية تمنحهم إمكانية الاختيار.

ومنذ اللحظة الأولى التي امتنع فيها إبليس عن السجود كان ذلك اختيارًا منه لمخالفة أمر الله.

فهو حكم وفق ما تطلبه ذاته، ولم يجعل الحق معيارًا للحكم.

بل ظن نفسه أرفع منزلة، فخالف أمر الله لتحقيق ذاته، ولذلك اتصف بالذل والانحطاط.


كيف تسعى النفس إلى الإشباع

يمكننا أن نلخّص الأمر بأن الإنسان بعد أن يلبّي حاجاته المادية يبدأ بالسعي إلى الإشباع الروحي.

فمثلًا:

  • بعد أن يشبع الإنسان من الطعام يبدأ بالتفكير في اهتماماته الشخصية
  • قد يرغب بالمشي لما فيه من راحة للنفس
  • بعد العمل قد يرغب بالسفر
  • ثم يسعى إلى طموحات معنوية مثل
    • السمعة
    • الشرف
    • السلطة

العلاقات الاجتماعية بين البشر والجنّ

هذه المخلوقات لا تستطيع العيش منفردة، لذلك تنشأ بينها علاقات اجتماعية.

سواء بين:

  • البشر أنفسهم
  • الجنّ أنفسهم
  • أو حتى بين البشر والجنّ

فالجنّ يعيشون معنا في الأرض، وإن كنا لا نراهم.

والشياطين تسعى دائمًا إلى:

  • الوسوسة للإنسان
  • دفعه إلى المعصية
  • منع الإنسان من النجاح

ومنذ نزول إبليس مع جنوده وهم يحاولون إضلال الإنسان.


معيار الشرف بين المخلوقات

عندما يسعى الإنسان إلى تحقيق الشرف أو المكانة الاجتماعية، فإنه لا يستطيع تحقيق ذلك وحده.

فالسمعة والشرف لا يتحققان إلا بشهادة الآخرين.

لكن السؤال المهم هو:

ما المعيار الحقيقي للشرف؟

أجاب الله عن ذلك في القرآن.

سورة الحجرات – الآية 13

﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾

فالمعيار الحقيقي للكرامة هو التقوى.

وهذا الخطاب لا يخص البشر فقط، بل يشمل الجنّ أيضًا.

فإذا لم يلتزم الإنسان أو الجنيّ بهذا المعيار نشأ مرض الحسد.

وكل مرض يصيب القلب سببه نقص التقوى.


كيف ينشأ الحسد

يظهر الحسد في حالتين:

الحالة الأولى

أن يجهل الإنسان أصلًا وجود الله ولا يعرف التقوى.

عندها يصبح معيار الكرامة هو:

  • المال
  • المكانة الاجتماعية
  • النسب
  • القوة

وبالتالي من لا يملك هذه الأشياء يحسد من يملكها.


الحالة الثانية

أن يعرف الإنسان أهمية التقوى لكنه لا يطبّقها عمليًا.

فعند السعي وراء المال لا يلتزم بالحلال والحرام، بل يتبع مصلحته الشخصية.


أول حسد بين البشر

ظهر أول حسد بين البشر عند ابني آدم.

فقد قدّم الابنان قربانًا إلى الله.

  • فتُقبّل قربان المتقي
  • ولم يُتقبل قربان الآخر

فوسوست له نفسه بقتل أخيه.

فقتله وأصبح أول قاتل في تاريخ البشرية.


حسد إخوة يوسف

ومن أمثلة الحسد أيضًا إخوة يوسف عليه السلام.

فعندما اختار الله يوسف للنبوة شعر إخوته بعدم التوازن.

وكان الواجب عليهم:

أن يدعموه ويساعدوه.

لكنهم بدل ذلك:

  • تآمروا عليه
  • ألقوه في الجب

ظنًا منهم أنهم سيمنعون النعمة عنه.

لكن قضاء الله لا يُمنع.

ومن يحاول منع نعمة قدّرها الله لا يجني إلا الذل والانحطاط.


حسد أهل الكتاب للنبي ﷺ

وكان في قصة يوسف عبرة لبني إسرائيل.

فكتبهم بشّرت بقدوم النبي الخاتم.

لكن عندما جاء النبي محمد ﷺ حسدوه.

قال الله تعالى:

سورة البقرة – الآية 109

﴿ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾

فهم كانوا يعلمون أنه النبي الحق.

لكن الحسد منعهم من قبول الحق.


نتيجة الحسد

عندما يتحول الحسد إلى سلوك يصبح:

  • معاداة للحق
  • حربًا للأنبياء
  • ظلمًا للناس

وقد حاول بعضهم:

  • إيذاء النبي ﷺ
  • محاربة دعوته
  • بل حتى قتله

وكل ذلك نتيجة الحسد.


العلاج: التقوى والنفس المطمئنة

العبرة التي نتعلمها هي:

أن نلتزم بطريق النبي محمد ﷺ.

وأن نطبّق:

  • الحلال والحرام
  • الخير والشر
  • معايير القرآن

حتى نصبح من المتقين.

فإذا صار الإنسان متقيًا:

  • زال الحسد من قلبه
  • واطمأنت نفسه
  • ورضي بقضاء الله

ذكر الله يزيل الحسد

فالمؤمن يسعى إلى نعيم الآخرة، لذلك لا يعترض على قسمة الله.

ولا يحمل في قلبه:

  • سخطًا
  • بغضًا
  • حسدًا

قال الله تعالى:

سورة الأنعام – الآية 12

﴿كتب على نفسه الرحمة﴾

أي أن الله جعل الرحمة من صفاته.

فعلينا أن نتخلّق بالرحمة والخير.


الخاتمة

وفي الختام نسأل ربّنا:

أن يجعلنا من المتقين،
وأن يحمينا من الحسد،
ومن حسد الناس،
ومن حسد إبليس والشيطان.

ونسأله أن يوفقنا للتمسّك بتعاليم نبينا محمد ﷺ.

وأن نكثر من قراءة سورة الفلق صباحًا ومساءً، وبعد الصلوات، طلبًا لحماية الله لنا من شر الحاسدين.

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلتي من الصين الى الاسلام

دروس سورة الفاتحه (4) "رَبِّ الْعَالَمِينَ" — سر العوالم وشهادة الخلق بوحدانية الله

دروس سورة الفاتحه (1) الاستعاذة بالله – درع المؤمن ضد الوسوسة والانحراف