(42) سورة البقرة – التعرّف على العِبر المستفادة من الخلافات بين أهل الكتاب
المقدّمة :
يتناول هذا الدرس العِبر العميقة المستفادة من الخلافات التي وقعت بين أهل
الكتاب، كما عرضها القرآن الكريم في سورة البقرة، ويكشف الجذور الحقيقية لهذه
النزاعات، التي لم تكن مجرّد اختلافات فكرية، بل كانت نتيجة للإنكار المتبادل،
واتباع الأهواء، ومرض الكِبر الذي منع القلوب من قبول الحقّ كاملًا.
يوضّح الدرس كيف أن التوراة والإنجيل كانتا في الأصل هدايةً ونورًا لبني
إسرائيل، لكلٍّ منهما مجالٌ في توجيه الإنسان، لكن انقسام أهل الكتاب، وإنكار
بعضهم لبعض، أدّى إلى تعطيل هذه الهداية، ومنعهم لاحقًا من الإيمان بالقرآن الكريم
وبالرسالة الخاتمة.
كما يبيّن الدرس أن اكتمال نعمة الله على البشرية لم يتحقّق إلا ببعثة
النبي محمد ﷺ، الذي جمع في رسالته مقاصد جميع الأنبياء، وقدّم منهجًا شاملًا يزكّي
الإنسان في جميع جوانب حياته، ويقوده إلى أعظم الغايات: رضا الله ورؤيته في الآخرة.
ومن خلال هذا الفهم، ندرك أن الخلاف القائم على الكِبر ورفض الحق لا يمنع
فقط وحدة الدين، بل يحرم صاحبه من أعظم الشهادات وأكمل النعم.
الإخوة والأخوات في
هذه المجموعة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نحمد الله العليّ
العظيم، ونصلّي ونسلّم على خاتم الأنبياء محمد ﷺ عددًا لا يُحصى، ونسأل الله أن
يرضى عن جميع الصحابة رضوان الله عليهم.
موضوعنا اليوم هو: التعرّف على العِبر المستفادة من الخلافات بين أهل الكتاب.
لقد وُجدت بين أهل
الكتاب خلافات ونزاعات، ويبيّن لنا الله تعالى ذلك في سورة البقرة، الآية 113، حيث
قال:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ
لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ
عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۖ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
ومن هذه الآية نتعلّم
أن اليهود والنصارى وقع بينهم إنكار وعناد أدّى إلى الخصومة والجدال، ممّا يدلّ
على وجود التناقض، والعداوة، والبغضاء، والمقاومة المتبادلة بينهم.
ولهذه الآية سبب
نزول، نقرأه في تفسير ابن أبي حاتم، حيث روى ابن عباس رضي الله عنهما أن
وفد نصارى نجران جاء إلى رسول الله ﷺ، فوجدوا عنده بعض علماء اليهود، فدار بينهم
جدال أمام النبي ﷺ.
فقال رجل من اليهود
يُدعى نافع: «أنتم لستم على شيء»، وأنكر إنجيل عيسى عليه السلام.
فقال رجل من نصارى
نجران: «وأنتم أيضًا لستم على شيء»، وأنكر توراة موسى عليه السلام.
فعند ذلك أنزل الله
تعالى قوله: قالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء،
وهم يتلون الكتاب.
ومن خلال سبب النزول
هذا نفهم أن اليهود والنصارى كانوا يتبادلون الإنكار علنًا دون أي تحفّظ، على
الرغم من أنهم جميعًا من ذرية بني إسرائيل، وكان ينبغي – من حيث الأصل – أن يجمعهم
نسب واحد، وأنبياء بعثهم الله في بني إسرائيل، ومعرفة مشتركة.
لكنهم، رغم امتلاكهم
للكتب السماوية، أنكر بعضهم بعضًا علنًا، مع أن كلا الفريقين يجد في كتابه وجوب
الإيمان بالنبي الذي ينكره.
فقد عاهد الله موسى
عليه السلام وأتباعه من اليهود على الإيمان بعيسى عليه السلام، لكنهم تجاهلوا ما
في التوراة وأنكروا عيسى عليه السلام.
كما أن الإنجيل يأمر
أتباعه بالإيمان بموسى عليه السلام وبما جاء في التوراة، غير أن النصارى أنكروه
أيضًا.
وقد أنكر اليهود
والنصارى بعضهم بعضًا علنًا أمام نبينا محمد ﷺ، وقال كل فريق للآخر: «أنتم لستم
على شيء».
فما سبب هذه الظاهرة؟
أولًا، لا بدّ من
التعرّف على هذين الكتابين السماويين تعرّفًا صحيحًا، وكيف يكون ذلك؟ يكون ذلك من
خلال ما بيّنه القرآن الكريم، لأنه هو المهيمن والشاهد على الكتب السابقة. فما
وافق القرآن من تلك الكتب فهو الحق الذي لم يُحرَّف، وما خالفه فهو ممّا أُدخِل
عليه التغيير.
نتعلّم ذلك من سورة
المائدة، الآية 44، حيث قال الله تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا
التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ
أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا
اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾
ثم يقول الله تعالى
في الآية التي تليها
(45):
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ
فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ
بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ
ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
ومن هاتين الآيتين
نتعلّم أن التوراة اشتملت على هدى ونور من الله، وركّزت على الأحكام والقضاء،
وبيّنت مبدأ القصاص والعدل بين الناس.
وكانت هذه الشريعة
تهدف إلى منع الإنسان من الوقوع في المعاصي، وإبعاده عن الذنوب التي تفضي به إلى
النار.
ثم تأتي الآية 46
لتتحدّث عن الإنجيل، حيث قال الله تعالى:
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
نحن نعلم جميعًا أن
عيسى عليه السلام هو رسول الله ونبيّه، وقد وُصف بأنه روح. وكان معاصروه زكريا ويحيى عليهما السلام، وكذلك أسرة آل عمران بأكملها، من
الزاهدين في الدنيا. فمريم ويحيى وعيسى عليهم السلام لم يتزوّجوا، وكان ذلك رغبةً
في الإكثار من العمل الصالح. وقد ظهر نظام الرهبانية في ذلك الزمن بوصفه مظهرًا من
مظاهر الزهد في الدنيا، وكان هدفه طلب رضا الله تعالى.
فإن كانت التوراة قد
جاءت لتبيّن للناس كيف يهتدون، وكيف يبتعدون عن المعاصي، ويتّقون عذاب النار،
ويتجنّبون أنواع العقوبات، فإن الإنجيل – الذي أُنزِل على عيسى عليه السلام
الموصوف بالروح، وعلى أسرته الزاهدة في الدنيا، والذي نشأت في سياقه الرهبانية –
لا بدّ أن يكون كتابًا يعلّم الناس أداء الأعمال الصالحة المفروضة، مع الإكثار من
الأعمال الصالحة التطوّعية.
وهذا الكتاب يوجّه
الناس إلى السعي لنيل ثواب الجنّة، لأن عيسى عليه السلام بوصفه روحًا يتمتّع بصفة
الطهارة، ويحيى عليه السلام قد شمله الله برحمته منذ ولادته، وعلّمه الحكمة، وجعله
بارًّا بوالديه، وكان سالمًا يوم وُلِد، ويوم مات، ويوم يُبعث حيًّا. وكذلك كان
حال عيسى عليه السلام، وكانت مريم عليها السلام سيّدة نساء العالمين.
فهؤلاء جميعًا كانوا
يعلّمون الناس كيف يؤدّون ما فرضه الله عليهم من أعمال الخير في عبادته، مع
الإكثار من الطاعات. ولذلك فإن كتاب الإنجيل يعلّم الناس كيف يعملون الصالحات
لينالوا ثواب الجنّة.
ولهذين الكتابين
مجالان مختلفان في الهداية.
فالتوراة لا تكتفي
بتوجيه الإنسان إلى ترك الذنوب الفردية، بل تركّز كذلك على العلاقات الإنسانية،
وتحذّر من الظلم والاعتداء. وهي تهدف أساسًا إلى إبعاد الإنسان عن الذنوب التي
تستوجب العقوبة. فإذا لم يرتكب الإنسان المعاصي، انتفى عنه عذاب القبر، وإذا بُعث
ولم يكن قد ظلم أحدًا في حقوق العباد، وابتعد عن المحرّمات التي نهى الله عنها،
فإنه ينجو بطبيعة الحال من أنواع العقوبات المهلكة.
غير أن هذا يقتصر على
النجاة من العقوبة فقط، فجاء الإنجيل ليحثّ الإنسان على الإكثار من الأعمال
الصالحة طلبًا لدرجات الجنّة، والجنّة ذات مراتب ودرجات كثيرة.
وكانت هداية الله
لبني إسرائيل هدايةً تدريجية. ومن المنطق العقلي أن الإنسان يبدأ أولًا بتجنّب
العقوبات، وكذلك في الحساب يوم القيامة؛ فلا بدّ أولًا من السلامة من العذاب حتى
يدخل الجنّة، ثم بعد ذلك يسعى إلى رفع درجته فيها بالإكثار من الأعمال الصالحة،
بعد أداء ما فرضه الله عليه من الطاعات، ثم الزيادة عليها بالنوافل.
وكان الأصل أن تكون
هاتان الرسالتان نعمة لبني إسرائيل، لكن طائفتين منهم تمسّكت كلّ واحدة بكتابها
وأنكرت الأخرى.
فأهل التوراة لو
التزموا بها حقًّا، لعلموا أنه بعد الابتعاد عن أسباب العقوبة، لا بدّ من الإيمان
بالكتاب اللاحق واتباع الإنجيل، والمسارعة إلى العمل بما فيه من الفرائض والإكثار
من الصالحات.
وكذلك أتباع الإنجيل،
فإنهم يعلمون أن كثرة الأعمال الصالحة لا تنفع إذا لم تُعالج مسألة الذنوب؛ فقد
يعمل الإنسان الصالحات عمرًا كاملًا ثم يجد أنها لم تكن إلا كفّارة لذنوبه، فلا
بدّ له حينئذٍ من الرجوع إلى ما في التوراة من اجتناب المحرّمات، والابتعاد عن
الظلم، ثم الإكثار من العمل الصالح الخالص.
وكان مجال الهداية
لدى هذين النبيين مختلفًا.
فمثلًا، موسى عليه
السلام قتل نفسًا في شبابه، فسارع إلى الاستغفار، فغفر الله له، كما ورد في سورة
القصص. ثم بُعث رسولًا ونبيًّا، وكلّمه الله تكليمًا، وطلب رؤية ربّه، وهو أمر لا
يكون في الدنيا، فاستغفر مرة أخرى.
وعندما كان يناجي
ربّه، عبد قومه العجل، فلما رجع إليهم غضب ولم يتبيّن الحقيقة في البداية، فعاتب
أخاه هارون، لأنه استخلفه على بني إسرائيل، وقال له: لماذا لم تُحسن إدارة بني
إسرائيل؟ فأجابه أخوه بأنه فعل ذلك خوفًا من تفرّقهم.
وفي تلك اللحظة، وقبل
أن تتّضح له الحقيقة، أخذ بلحية أخيه يلومه، ثم ما لبث أن استغفر لنفسه، واستغفر
لأخيه أيضًا.
وكان موسى عليه
السلام كثير الاستغفار، لأن في مسيرته دورًا إرشاديًا؛ فالبشر قد يقعون في الخطأ
أحيانًا، فيحتاجون إلى الاستغفار، مع الالتزام بعدم الظلم.
وقد تعلّم موسى عليه
السلام ذلك أيضًا خلال إقامته في مدين مع شعيب عليه السلام، حيث تعلّم كيف لا
يظلم، وكلّ ذلك يدخل ضمن مجال الهداية الذي خُصّ به.
وأما عيسى عليه
السلام فقد نال حماية مباشرة من ربّه، فكانت إنسانيته (النَّفْس) لا تأمره بالسوء،
وذلك لما اتّصف به من صفة الروح وما تحمله من قداسة وطهارة، فكانت نفسيته
لا تأمره إلا بالخير.
ونتعلم من الأحاديث
النبوية أنه بعد بعث الناس يوم القيامة، يطلب البشر من الأنبياء أن يشفعوا لهم.
فعندما يُطلب من بعض الأنبياء الشفاعة، يذكر كلٌّ منهم ما وقع منه ممّا لا يليق،
فيعتذر عن الشفاعة.
فموسى عليه السلام
يذكر أنه قتل نفسًا، وإبراهيم عليه السلام يذكر ثلاث مواقف اعتذر فيها، ونوح عليه
السلام يذكر أمورًا لم تكن مرضية عند الله، فيمتنعون عن الشفاعة.
أما هذه النعمة
العظيمة، وهي الشفاعة الكبرى، فقد خُصّ بها نبيّنا وخاتم أنبيائه محمد ﷺ وحده.
ونعلم أن عيسى عليه
السلام بما مُنح من صفات الطهارة والقداسة، كان دوره توجيه الناس إلى الإكثار من
العمل الصالح، وهذا هو المجال الذي خُصّ به.
وكان ينبغي لبني
إسرائيل، لو أرادوا الكمال الحقيقي، أن يتّبعوا كلا النبيين وكتابهما معًا، وأن
يقتدوا بما ظهَر في حياتهما من صفات عملية، وألا يفرّقوا بين هذين النبيين، بل
وألا يفرّقوا بين جميع أنبياء الله الكرام.
لكن ذرية بني
إسرائيل، رغم أنهم كأمّة واحدة قد نالوا نعم الله، قاموا بتقسيم كتب الله، فأنكر
بعضهم بعضًا، بل وأنكروا النبيين اللذين حملا إليهم هذه الكتب.
وبسبب هذا السلوك،
عجزوا لاحقًا عن قبول القرآن الكريم، ولم يتمكّنوا من أداء الشهادة الكاملة بأن
الله أرسل النبي الخاتم محمدًا ﷺ.
وكيف نفهم ذلك على
وجه التفصيل؟
لقد ذكرنا سابقًا أن
الآيتين 44 و45 من سورة المائدة تتحدّثان عن التوراة بما فيها من هدى ونور، وبما
اشتملت عليه من أحكام، وتشريعات، وضوابط تمنع الظلم، وتبيّن الجزاء والعقوبة.
ثم جاءت الآية 46
لتبيّن أن الإنجيل الذي أُنزِل على عيسى عليه السلام فيه هدى ونور.
وبعد ذلك تأتي الآية
48، حيث يبيّن الله فضل القرآن الكريم، فيقول سبحانه:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾
فقوله تعالى «مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ» يشمل جميع الكتب السابقة، ومنها التوراة والإنجيل، أي أنه يصدّق ما فيها
من الحق.
وأما قوله «وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ» فيعني أن القرآن هو المرجع والحَكَم، فما وافقه من الكتب السابقة فهو من
الحق الذي لم يُحرَّف، وما خالفه فقد دخله التغيير.
ونعلم أن القرآن
الكريم اشتمل على الشريعة الكاملة المحفوظة من الله، وفيه معايير الحلال والحرام،
ومعايير الخير والشر، وبيان كيفية العمل الصالح، وهو يوضّح بشكل شامل ما ورد في
التوراة والإنجيل من أحكام، وأوامر، وتعاليم، وتشريعات.
ولهذا، فإن بني
إسرائيل الذين أنكر بعضهم كتب بعض، لم يستطيعوا قبول القرآن الكريم.
فمن أنكر التوراة ثم
قرأ الإنجيل، يجد في القرآن أحكام الحلال والحرام الموافقة للتوراة فلا يقبلها.
ومن تمسّك بالتوراة
وقرأ القرآن، يجد فيه دعوة إلى الإكثار من العمل الصالح كما في الإنجيل، وهو لم
ينل تلك النعمة، فلا يقبلها كذلك.
فهؤلاء المنحرفون من
بني إسرائيل، الذين لا يسعون إلى نيل نعمة الله، يرفضون القرآن الكريم. وكل من
انخرط في الإنكار المتبادل والجدال العنيد، فإنه لا يقبل القرآن أيضًا.
وأصل هذا كلّه هو الكِبْر.
وقد عرّف نبينا محمد
ﷺ الكِبْر بقوله:
«الكِبْر بَطَرُ
الحقِّ وغَمْطُ الناس»
كما ورد في صحيح
مسلم، أي رفض الحق واحتقار الناس.
ولو تأمّلنا حال
هاتين الطائفتين اللتين أنكرتا أنبياءهما، لعلمنا أن ذلك هو السبب في عجزهما عن
الشهادة للنبي الخاتم.
فكل نبي بعثه الله
كان يحمل في رسالته أثرًا من آثار رحمة الله للعالمين.
فموسى عليه السلام،
بما أوتي من نعم، كان آية من آيات الله، وقد اشتملت التوراة على التحذير من
العقوبة، والدعوة إلى الاستغفار، وترسيخ الإيمان بيوم الجزاء، وأن الله هو الحاكم
يوم القيامة، وأن كل من لم يعمل صالحًا، أو وقع في الظلم، أو خالف معايير الحلال
والحرام، فله عقوبة. وكان تركيز رسالته على ترسيخ الإيمان بيوم الحساب.
أما عيسى عليه
السلام، فكان دوره توجيه الناس إلى العمل الصالح لنيل ثواب الجنة، وبيان أن من
أشرك بالله لا ينال هذا الثواب، وأن العمل الصالح لا يُقبل مع الشرك، ولا بد من
توحيد الله شهادةً وعبادةً.
غير أن من لم يلتزم
بكتابه، ولم يتّبع نبيّه، لا يستطيع أن يحقّق هذه الشهادة.
وعندما يُجمع بين
طريق هذين النبيين دون تفريق، يتبيّن للإنسان أن عليه أولًا أن ينجو من النار، ثم
يسعى إلى دخول الجنة، ثم يرتقي إلى أعظم نعيم فيها، وهو رؤية الله.
فالله هو الخالق، وقد
منح الإنسان نعمة العمل الصالح ليطلب بها خير الدنيا والآخرة، ويُشبع فطرته
الإنسانية، ثم يبلغه أعظم غاية وهي لقاء ربّه.
ولهذا، وبعد هذين
النبيين، كان لا بدّ من بعث رسول جامع، يكمّل المسيرة، ويجمع طرق الأنبياء جميعًا،
ليعلّم الناس كيف يسيرون على منهج متكامل لنيل رضا الله ورؤيته.
وما معنى هذا الجمع؟
أي أن ما جاء في
التوراة، والإنجيل، والقرآن، كلّه قد اجتمع في رسالة واحدة.
فطريق موسى عليه
السلام، وطريق عيسى عليه السلام، وطريق جميع الأنبياء السابقين، جاء النبي الخاتم
ﷺ فجمعها كلها، فكانت مرتبته ومهمته شاملة لمراتب ومهام الأنبياء قبله، ليعلّم
الناس كيف ينالون نعمة الله كاملة: عملًا صالحًا في الدنيا، ولقاءً مع الله في
الآخرة.
إن نبينا محمدًا ﷺ،
بعد عودته من رحلة الإسراء والمعراج، قد أمَّ جميع الأنبياء فصلّى بهم، وهذا دليل
واضح على ذلك؛ إذ أصبح شاهدًا على رحمة الله للعالمين بوصفها آيةً ظاهرة. وقد أكمل
الله تعالى نعمته على البشر، فصار دين الإسلام دينًا كاملًا شاملًا. كما أنزل الله
على البشر كتابًا محفوظًا، جامعًا، من اللوح المحفوظ، ليكون كتابًا شاملًا محفوظًا
للبشرية.
فقد صار بإمكان
الناس، من خلال ما ورد في هذا الكتاب، ومن خلال الطريق الذي تركه الرسول، أن
يتعلّموا كيف يعملون الصالحات على وجهٍ شامل.
فالإنسان يملك الجسد،
ويملك شهوة الطعام، وشهوة الجنس، ويملك العاطفة، ويملك الاهتمامات الروحية
الشخصية، ويملك النفس الإنسانية، ويملك الروح الحيوية، ويملك العقل الذي وهبه الله
له، ويملك الفطرة التي أُمر بالحفاظ عليها، كما وهبه الله الروح (الروح المعنوية).
وهذه الجوانب العشرة كلها مطالبة بالسعي إلى رضا الله، وكلها مطالبة بالعمل الصالح.
فكيف يمكن للإنسان أن
يحقّق العمل الصالح على نحوٍ شامل؟ لا بدّ من كتابٍ شامل يوجّهه.
وكيف يمكن لهذه
الجوانب العشرة كلها أن تُظهر الخير؟ لا بدّ أن يكون ذلك باتّباع طريق النبي
الجامع، والسير على نهجه، طلبًا لخير الدنيا والآخرة. وبهذا يكون الإنسان في
الآخرة متّبعًا لهذا النبي الجامع حتى يلقَى ربَّه.
فهذه الجوانب العشرة
كلّها ينبغي أن تسعى إلى الخير، لا كما كان حال الأمم السابقة التي نالت كتابًا
واحدًا، فعملت في مجالٍ واحد فقط، وطلبت النعمة في نطاقٍ محدود.
أما القرآن الكريم،
ومعه النبي الخاتم ﷺ، فإن طريقهما يمكّن الإنسان من أن يعمل الصالحات في هذه
الجوانب العشرة كلها على نحوٍ متكامل.
ونعيد تعداد هذه
الجوانب العشرة: الجسد، وشهوة الطعام، وشهوة الجنس، والعاطفة، والاهتمامات الروحية
الشخصية، والنفس الإنسانية، والروح الحيوية، والعقل، وحفظ الفطرة، ثم الروح التي
وهبها الله لنا. وهذه الجوانب العشرة كلها مطالبة بالعمل الصالح.
وقد جعل الله تعالى
العدد عشرة عددًا دالًّا على الحساب، وعلى نيل أعلى درجات الجزاء الحسن وأعظم
الثواب.
ونسأل الله تعالى أن
يوفّقنا إلى التمسّك بنبينا محمد ﷺ، وألا نفارق القرآن الكريم أبدًا.
كما نسأل ربّنا
الرحمن الرحيم أن يرزقنا في الآخرة نعمة اتّباع نبينا محمد ﷺ حتى نلقاه سبحانه،
وأن يمنحنا هذا الجزاء الأعلى.
وإلى هنا نكتفي بهذا
القدر من المشاركة. فإن كان في الكلام زلّة أو تقصير في البيان، فنسأل الله العليّ
العظيم المغفرة، ونلتمس من الإخوة والأخوات المعذرة، وجزاكم الله خيرًا، وشكرًا
لكم على حسن المتابعة والمشاركة.
تعليقات
إرسال تعليق