(41) سورة البقرة – القلب السليم ومعايير الحق: لماذا عادى بعض اليهود جبريل وأحبّوا ميكائيل؟

 

المقدمه :

يتناول هذا الدرس سبب تمييز بعض اليهود في موقفهم من الملائكة، حيث عادى فريقٌ منهم جبريل عليه السلام واعتبروا ميكائيل عليه السلام صديقًا لهم. ويبيّن الدرس، بالاعتماد على آيات من سورة البقرة وأحاديث نبوية صحيحة، أن هذا الموقف لم يكن قائمًا على معيار الحق والباطل، بل على اتّباع الأهواء وحبّ الدنيا.

فجبريل عليه السلام هو المَلَك الموكَّل بإنزال الوحي والكتب السماوية التي تدعو إلى الإيمان، وضبط الشهوات، والاستعداد للآخرة، بينما ميكائيل عليه السلام موكَّل بإنزال الأرزاق الدنيوية ضمن الرحمة العامة التي تشمل المؤمن والكافر. ولما كانت قلوب بعض اليهود متعلّقة بالدنيا، فاقدة لمعياري الحلال والحرام والصدق والكذب، أحبّوا من يوافق أهواءهم، وعادَوا من جاءهم بما يخالف شهواتهم.

ويبرز الدرس نموذج عبد الله بن سلام رضي الله عنه مثالًا للقلب السليم المتّصف بالرحمة والتواضع، الذي يقبل الحق فور ظهوره دون نظر إلى الانتماء القومي أو المصالح الشخصية. ويخلص الدرس إلى أن سلامة القلب، والرحمة، والتواضع، والالتزام بمعايير الحق، هي الأساس في قبول الوحي والأنبياء والملائكة، وأن من يفرّق بينهم إنما يفعل ذلك بسبب أمراض القلب واتّباع الهوى.

 

الإخوة والأخوات في هذه المجموعة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نحمد الله العليّ العظيم، ونصلّي ونسلّم على خاتم الأنبياء محمد ﷺ عددًا لا يُحصى، ونسأل الله أن يرضى عن جميع الصحابة رضوان الله عليهم.

موضوعنا اليوم هو: لماذا يميّز اليهود في نظرتهم إلى الملائكة؟ وما سبب نشوء هذا الموقف؟
سنقوم بتحليل ما في ذلك من معانٍ ودلالات.

يخبرنا ربّنا جلّ وعلا في سورة البقرة، الآيتين 97 و98:

﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾

وعند تفسير هاتين الآيتين، أجمع علماء التفسير على أنهما نزلتا ردًّا على اليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدوٌّ لهم، وأن ميكائيل وليّهم وصديقهم.

وجاء في الصحيحين من الحديث ما يوضّح ذلك؛ فقد روى أنس رضي الله عنه أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه سمع بقدوم رسول الله ﷺ، وكان حينها يعمل في أرضه يحصد الزرع. فلما لقي النبي ﷺ قال له:

(إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ولماذا يشبه الولد أباه أو أمه؟)

فقال النبي ﷺ:

(أخبرني بهن آنفًا جبريل )

فقال عبد الله:

«جبريل؟»

قال النبي ﷺ:

«نعم».

فقال عبد الله:

 ذاك عدوّ اليهود من الملائكة

فقرأ النبي ﷺ عندها قول الله تعالى:

﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

ثم أجابه ﷺ فقال:

 أما أول أشراط الساعة، فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب.
وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت.
وأما الشبه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل كان الشبه لها .

فقال عبد الله رضي الله عنه:

«أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.
يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهت، وإنهم إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني».

فلما جاء اليهود، سألهم رسول الله ﷺ ـ تعمّدًا ـ:

«ما تقولون في عبد الله بن سلام؟»

قالوا:

«هو خيرُنا وابنُ خيرِنا، وسيّدُنا وابنُ سيّدِنا».

قال النبي ﷺ:

«أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟»

قالوا:

«أعاذه الله من ذلك».

فخرج عبد الله رضي الله عنه إليهم وقال:

«أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله».

فقالوا:

«هو شرّنا وابنُ شرّنا…»
وأخذوا يطعنون فيه ويذمّونه.

فقال عبد الله رضي الله عنه:

«يا رسول الله، هذا ما كنت أخشاه».

من هذه الرواية الحديثية لا نتعلّم فقط أن اليهود اتخذوا جبريل عليه السلام عدوًّا لهم، بل نتعلّم أيضًا سرعة تقلّب وجوههم، ووضوح صفة الكذب عندهم. فقد رأينا أن أحد علمائهم، عندما شهد الحق، تغيّر موقفهم منه في لحظة واحدة؛ ففي البداية كانوا يصفونه بأنه أفضلهم، ومن سلالة أفضلهم، ولكن عندما شهد هذا الرجل الحق ولم يساير أهواءهم، انقلبوا عليه فورًا، وبدؤوا يذمّونه ويقولون إنه أبغضهم، ومن سلالة أبغضهم.
فهؤلاء القوم، من أجل إشباع أهوائهم، لا يبالون بالحق، ويمكنهم أن يكذبوا بسرعة كبيرة. ولذلك فإن هذه الرواية الحديثية توضّح لنا بجلاء أنهم إذا كانوا قادرين على إطلاق مثل هذه الأحكام الجائرة على علمائهم، فمن باب أولى أن يطلقوا أحكامًا باطلة وافتراءات غير صحيحة بحقّ الملائكة أيضًا.

والآن ننتقل إلى تحليل سبب تسميتهم جبريل عدوًّا لهم، وتسميتهم ميكائيل صديقًا لهم.
يقول ربّنا سبحانه وتعالى في الآية السابعة والتسعين من سورة البقرة إن جبريل ينزّل الوحي بأمر الله إلى قلبك، والمقصود بـ«قلبك» هنا هو قلب نبينا وخاتم رسلنا. ومن هنا ينبغي لنا أن نفهم معنى هذا القلب.

لقد منح الله تعالى جبريل اسمًا عظيمًا، وذكره في القرآن الكريم أربع مرات بوصفه روح القدس، أي الروح الطاهرة، والروح المقدّسة. وهو الذي أنزل على البشر أربعة كتب عظيمة: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن.

وفي هذه الآية يقول الله تعالى إن الوحي نُزِّل على قلبك، وكل من كان مؤهّلًا لتلقّي الوحي الذي ينزل به جبريل، فإن قلبه يكون طاهرًا نقيًّا. وفي القرآن الكريم ثلاث آيات أخرى نتعلّم منها أن ربّنا سبحانه عندما وصف جبريل بأنه روح القدس، ذكر أنه أيّد به عيسى عليه السلام.
وعيسى عليه السلام هو الإنسان الذي سمّاه الله تعالى صراحة «روحًا»، ومن يُسمّى روحًا من قِبل الله لا بد أن تكون إنسانيته محفوظة تمامًا بعناية الله، وأن تكون نفسه مصونة من اقتراف الفواحش والقبائح، وأن تكون حالته الروحية في مقام النفس المطمئنة، وعندها فقط يكون روحًا.
وقد حُفظ عيسى عليه السلام، وزاده الله نعمة أخرى، وهي أن أيّده مباشرة بجبريل، ذلك المَلَك الذي يحمل صفة روح القدس.

ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«
إذا أحبّ الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يحبّ فلانًا فأحبّه، فيحبّه جبريل».
فمن نال محبة جبريل عليه السلام، فقد نال محبة ربّه سبحانه وتعالى.

ويذكر هذا الحديث أيضًا أن جبريل ينادي في أهل السماء:
«
إن الله يحبّ فلانًا فأحبّوه»، فيحبّه أهل السماء، ثم يُجعل له القبول في الأرض، فيحبّه أهل الأرض.
ومن خلال هذه الشواهد الثلاثة نعلم أن من نزل الوحي على قلبه بواسطة جبريل، أو نال معونة جبريل، أو حاز محبة جبريل، فلا بدّ أن يكون من عباد الله الذين يحبّهم الله سبحانه وتعالى.

فإذا كان شخص أو جماعة قد نالوا كتابًا من عند الله، ثم اتخذوا جبريل عليه السلام عدوًّا لهم، فهذا دليل على أن قلوبهم غير سليمة.
ولكي يكون القلب سليمًا، فلا بد أن تتوفّر فيه ثلاث خصائص. فقد خلق الله في قلب الإنسان عاطفة تُسمّى المحبة. وهذه المحبة قد تتعلّق بالأشياء المادية، لأن الإنسان كائن جسدي يحتاج إلى إشباع مادي، ولذلك تنشأ محبة لكل ما يلبّي هذه الحاجات.
فغريزة الشهوة تحبّ النساء وتحبّ الشريك الجنسي، وغريزة المال تحبّ الثروة، كما يحبّ الإنسان أبناءه الناتجين عن حياته الزوجية، وهي محبة النسب والقرابة.

وقد بيّن الله تعالى ذلك بوضوح في سورة آل عمران، الآية 14، حيث قال:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾

فكيف يصل الإنسان إلى حسن المآب؟
إن محبة هذه الأمور المادية يجب أن تكون محكومة بمعيار واضح، وهو معيار الحلال والحرام.
فالقرآن الكريم لم يضع فقط معايير الحلال والحرام، بل إن الله تعالى قد أوضح هذه المعايير بجلاء أيضًا في كتاب التوراة الذي أنزله على نبيّ اليهود موسى عليه السلام. وقد سُمّي هذا الكتاب بالألواح، وما دام كتاب شريعة، فلا بد أن يتضمّن أحكام الحلال والحرام.

فإذا لم يلتزم الإنسان بهذه المعايير الإلهية في سعيه لإشباع رغباته، وكان إشباعه لتلك الرغبات إشباعًا محرّمًا، فإنه لا يُعدّ من المتقين. وعندها يبدأ أول مرض في القلب، فيحبّ الإنسان ما هو محرّم، وبمجرد أن يحبّ الحرام يصبح قلبه غير سليم.
وبمعنى آخر، إذا تجرّأ الإنسان على محبة الحرام، ظهرت أنانيته، وصار مستعدًّا للتخلّي عن معايير الحلال والحرام من أجل إشباع شهواته، فيطلب بلا ضوابط، ويأخذ دون مراعاة لحقوق الآخرين.

وعندما وصل اليهود إلى زمن نبينا محمد ﷺ، كان أكل الربا منتشرًا بينهم بوضوح. فلما جاءهم الحق، وأخبرهم بأن الربا من الكبائر، وأمرهم بإخراج الزكاة، كان ذلك كأنه نزع ما تعلّق بقلوبهم. ولهذا لم يقبلوا هذا النبي الرسول.
وأما المَلَك الذي أنزل هذا الكتاب، والذي جاء بتعاليم تُجبرهم على ترك ما اعتادوا عليه من إشباع أهوائهم، فقد كرهوا ذلك كلّه، فجعلوا هذا المَلَك عدوًّا لهم.
وهذا بسبب أهوائهم، إذ لم يكن في قلوبهم حبّ للحق، ولا حبّ لله تعالى، ولذلك فإن كل ما يصطدم مع أهوائهم يرونه بغيضًا ومكروهًا.

ولليهود نبيّ آخر هو داود عليه السلام، وقد أُنزل عليه الزبور، وهو كتاب يركّز على تسبيح الله وحمده. وكان داود عليه السلام وابنه من الذاكرين لله كثيرًا.
فداود كان يقوم الليل ويصوم النهار، وسليمان كذلك كان من الذاكرين الدائمين، ولم يكونا من الغافلين. وقد سمّاهم الله من عباده الذين نالوا محبته ورضاه.

فلو أن اليهود اتّبعوا حقًّا طريق أنبيائهم ورسُلهم، لكانوا يذكرون الله صباحًا ومساءً، ويعبدونه بالفرائض والنوافل، ويسعون إلى رضاه كما سعى أنبياؤهم إلى ذلك.
ومن نال محبة الله ورضاه، فلا بد أن يحبّ جبريل عليه السلام؛ لأن الله إذا أحبّ عبدًا أخبر جبريل به، فيُحبّه جبريل، ويُخبر أهل السماء، بل يجعل له القبول في الأرض أيضًا.

أما كون اليهود لا يحبّون جبريل عليه السلام، فهذا دليل واضح على أنهم في الأصل لا يعبدون الله حقّ عبادته، وهذا شاهد جليّ على حالهم.

السبب الثاني الذي أدّى إلى ظهور هذه الظاهرة عندهم هو أنهم اتّبعوا أهواءهم الروحية الشخصية، فلم يتكلّموا بالحق، بل نطقت ألسنتهم بالكذب. ومثال ذلك افتراؤهم على عالمهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه؛ فبمجرد أنه لم يساير أهواءهم، انقلبوا عليه في لحظة، وقلَبوا الحق باطلًا والباطل حقًّا، دون أي معيار للصدق أو الكذب.

وفيما يتعلّق بانعدام معيار الحق والباطل، وصفهم ربّنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة، الآية 87، بقوله:

﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ۖ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾

فهذه الآية تتحدّث عن هؤلاء اليهود؛ إذ عندما ظهرت عندهم صفة الكِبْر، تخلّوا عن معيار الحق والباطل، واعتبروا أنفسهم قومًا مصطفَين.
وذلك لأن الله تعالى بعث في بني إسرائيل عددًا كبيرًا من الأنبياء والرسل، بل وكان لهم تاريخ عظيم، خاصة في زمن سليمان عليه السلام، فظنّوا بسبب ذلك أنهم أهل مكانة عالية، وبرزت عندهم صفة الكِبْر بشكل واضح.
ولهذا، عندما واجهوا الحق، كانوا يرفضونه إذا لم يكن من جماعتهم. وخصوصًا أن النبي الخاتم ﷺ لم يكن من بني إسرائيل، بل من العرب، فاستعصى ذلك على قلوبهم المتكبّرة، فسارعوا إلى إنكاره.
وعندما أسلم أحد علمائهم، هاجموه فورًا وشرعوا في ذمّه والطعن فيه دون أي اعتبار أو تردّد.

ونتعلّم من السنّة أيضًا ما رُوي عن أمّ المؤمنين صفية رضي الله عنها، إذ قالت إن أباها لما علم أن النبي الخاتم قد بُعث من العرب، أعلن معارضته له عن علمٍ وعمد، وكان السبب الوحيد لذلك هو مرض الكِبْر في قلبه.

فالإنسان إذا فقد معيار الحلال والحرام نشأت عنده الأهواء، وإذا فقد معيار الحق والباطل نشأ في قلبه الكِبْر. وعندما يجتمع الهوى والكِبْر في القلب، تتولّد عنهما سائر أمراض القلوب؛ من انتقام، وحسد، وهمّ، وبغض، وغيرها، فتتتابع هذه الأمراض واحدة تلو الأخرى.
فكيف لقلب مريض على هذا النحو أن يحمل ذلك الروح المقدّسة؟
وقد سمّى الله تعالى هذا الروح بالروح القدس، فإذا عجز الإنسان عن حمله، بدأ يسيء الظنّ به، بل ويكرهه، لأن ما ينزله من وحي لا يوافق أهواءه، فينتهي به الأمر إلى اعتباره عدوًّا.

والآن ننتقل إلى تحليل سبب محبة اليهود لميكائيل عليه السلام واعتبارهم له صديقًا.
فأولًا، إن ميكائيل عليه السلام قد أنعم الله عليه بمهمة إنزال الأرزاق على البشر وسائر المخلوقات. والله سبحانه هو الربّ المربّي، المتّصف بصفة الرحمة العامة والرحمة الخاصة.
وبرحمته العامة، تنال جميع المخلوقات من البشر والجنّ والحيوانات وغيرهم نصيبهم من نعم الدنيا. فهو عادل منصف، سواء عبدته المخلوقات أم لم تعبده، عرفته أم لم تعرفه، فإن الجميع في الدنيا ينالون أرزاقهم.
وقد منح الله البشر والجنّ العقل والحكمة، وبذلك يستطيعون السعي وراء هذه الرحمة العامة والاستفادة من نعم الدنيا.

وميكائيل عليه السلام، بأمر الله، يقوم بتوزيع الأرزاق على المخلوقات. وهو لا يمتنع عن إنزال الرزق على مخلوق لأنه لا يحبّ الله، أو لا يعبده، أو لأنه لا يلتزم بمعايير الحلال والحرام أو الحق والباطل، أو لأنه يفتقر إلى الصفات الخيّرة. فليس هذا من شأنه.
فما وُكّل به من تقدير وتوزيع للأرزاق هو أمر إلهي، وعند توزيع الرحمة العامة، لا يميّز بين من أطاع ومن عصى، بل ينفّذ أمر الله في إيصال هذه النعم إلى الجميع.

وفي تاريخ اليهود، أن الله بعث فيهم أنبياء، ومنحهم من الحكمة ما أعانهم على التطوّر والتمكين، كما أنزل عليهم كتبًا سماوية تحمل نور الله في ذاتها، فارتقت عقولهم وقدراتهم الذهنية.
لكنهم لم يستخدموا هذه الحكمة والعقل في طلب خير الدنيا والآخرة معًا، بل حصروها في السعي وراء منافع الدنيا فقط، بل وجّهوا كل طاقاتهم واهتماماتهم إلى كيفية تحصيل متاع الدنيا.
ولما كان ميكائيل عليه السلام هو الموكّل بإنزال الرحمة العامة والنعم الدنيوية، فقد وافق ذلك أهواءهم، فأحبّوه واتخذوه صديقًا.

وعلى الرغم من أن اليهود اعتبروا ميكائيل عليه السلام صديقًا لهم، بل وأحبّوه، فإن هذا التقييم لم يكن قائمًا على معيار الحق والباطل، وإنما كان نابعًا من أهوائهم. وذلك لأن هذا المَلَك حين ينزل الأرزاق لا يمنع الرزق عمّن ارتكب الذنوب، ولا يحرم منه من لم يعبد الله، بل إن الرزق يُقسَّم في إطار الرحمة العامة في الدنيا.
فلما رأوا أنهم مهما تحايلوا، ومهما استغلّوا الثغرات، ومهما خالفوا معايير الحلال والحرام، فإن هذا المَلَك لا يزال ينزل عليهم الرزق، ظنّوا أن هذا دليل على أنه “خير” لهم. ومن هنا جعلوه صديقًا لهم. وهذا بحدّ ذاته شاهد واضح على أنهم ينظّمون محبتهم وفق أهوائهم، ويحدّدون من هو الصديق ومن هو العدو تبعًا لمصالحهم الشخصية.

ولهذا فإن أولئك المنحرفين من اليهود الذين اعتبروا جبريل عليه السلام عدوًّا لهم، وميكائيل عليه السلام صديقًا، فإنما كشفوا بذلك عن تعلّقهم الشديد بالدنيا. فميكائيل ينزل الرحمة العامة والأرزاق الدنيوية، بينما جبريل عليه السلام ينزل الكتب السماوية التي تدعو الإنسان إلى طلب خير الدنيا والآخرة معًا، وخاصة الإيمان بلقاء الله، ونعمة رؤيته في الآخرة.
وأولئك الذين أنكروا جبريل عليه السلام من اليهود، لم يكن لديهم يقين بهذه النعم. فمن نسي لقاء الله، ولم يرغب في السعي إلى نعمة الآخرة ورؤية الله، واكتفى بطلب متاع الدنيا، فهو كافر بالنعمة جاحد لها.
وقد اصطفى الله في هذا القوم عددًا كبيرًا من الأنبياء والرسل لهدايتهم إلى هذه النعم، لكنهم أعرضوا عنها كلها، واكتفوا بطلب نعيم الدنيا وحده، أفلا يكونون بذلك جاحدين؟

أما أهل الكتاب الذين كانت قلوبهم سليمة متّصفة بالرحمة، وليس فيها مرض، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنهم عندما يسمعون الحق يسارعون إلى قبوله.
ونتعلم من السنة أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه روى عن نفسه أنه سمع نبينا محمدًا ﷺ يقول:
«
يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».
فلما سمع ذلك، ازداد يقينه بأن هذا النبي محمدًا ﷺ رسول أرسله الله رحمةً للعالمين. وذلك لأن هذا الحديث يدعو إلى نشر السلام، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وكلها أعمال قائمة على الرحمة، مما يدل على أن قائلها صاحب قلب مليء بالرحمة.

كما أن الحديث ذكر قيام الليل، وقد تأثّر بذلك تأثّرًا شديدًا، مما يدل على أنه كان في الأصل متّبعًا لطريق الأنبياء السابقين، مهتمًّا بقيام الليل، وكان عابدًا لله. وكان قلبه خاليًا من الكِبر والعُجب بالنفس، ممتلكًا لمعيار الحق.
فلما جاء الحق وبُعث النبي الخاتم، كان قلبه المليء بالرحمة والتواضع قادرًا على تقبّل الحق بسرعة.

أما أولئك اليهود الذين طعنوا في عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فكانوا أصحاب قلوب مريضة، خالية من الرحمة والتواضع، ولذلك لم يستطيعوا قبول الحق عندما جاءهم.
وأصحاب القلوب المريضة الذين يفرّقون في تعاملهم مع الملائكة، يفرّقون كذلك في تعاملهم مع الأنبياء. أما أصحاب القلوب السليمة، فلا يفرّقون بين الرسل.
وذلك لأنهم اتّبعوا طريق أنبيائهم السابقين، فلما جاء الله ليُتمّ نعمته على البشرية ويُكمِل دينه، كانوا أسرع الناس إلى اتباع الحق، دون أن ينظروا إلى قومية النبي أو نسبه، بل نظروا إلى أن نعمة الله قد جاءت للبشرية، فوجب قبولها.

وبهذا يتّضح لنا، من خلال الفهم الشامل لهذا الحديث، سبب عداوة بعض اليهود لجبريل عليه السلام.

وفي الختام، نسأل ربّنا أن يهدينا ويرحمنا، وأن يرزقنا قلوبًا سليمة، وأن يجعل القرآن هادينا، وأن ينالنا برحمته.
وما كان في هذا العرض من تقصير أو خطأ في التعبير، فنستغفر الله العليّ العظيم، ونلتمس عذر الإخوة والأخوات، وجزاكم الله خيرًا، وشكرًا لحسن الاستماع والمشاركة.

 

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلتي من الصين الى الاسلام

دروس سورة الفاتحه (4) "رَبِّ الْعَالَمِينَ" — سر العوالم وشهادة الخلق بوحدانية الله

دروس سورة الفاتحه (1) الاستعاذة بالله – درع المؤمن ضد الوسوسة والانحراف