(40) سورة البقرة – الروح القدس في القرآن الكريم ودوره في تأييد الأنبياء وترسيخ الهداية
المقدمة :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء
والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
يتناول هذا الدرس معنى الروح القدس كما ورد في القرآن الكريم، وما يحمله
من دلالات إيمانية عميقة تتصل بالوحي، والهداية، وتأييد الأنبياء عليهم السلام.
فقد ذُكر الروح القدس في أربع آيات قرآنية، جاءت في سياقات مختلفة، لكنها تلتقي
جميعًا في بيان دور هذا الروح الطاهر في تبليغ رسالة الله، وتثبيت المؤمنين، ونصرة
الحق.
ومن خلال هذه الآيات، نتعرّف على حقيقة الروح القدس، وعلى سبب اقتران ذكره
بعيسى عليه السلام في ثلاث مواضع، وارتباطه بإنزال القرآن الكريم في موضع واحد.
كما يفتح لنا هذا الموضوع بابًا لفهم العلاقة بين الطهارة الروحية، وحال النفس
المطمئنة، وبين نيل عون الله وتأييده لعباده الصالحين.
ويهدف هذا الدرس إلى الوقوف عند هذه المعاني، لا بوصفها قضايا نظرية
مجردة، بل باعتبارها دلائل هداية عملية، تُرشد المؤمن إلى طريق الصدق، والإخلاص،
والثبات، والسير في سبيل الله على بصيرة ويقين.
السلام على الإخوة والأخوات في هذه المجموعة.
نحمد الله العلي العظيم، ونصلّي ونسلّم على نبينا الخاتم محمد ﷺ صلواتٍ
كثيرة، ونسأل الله أن يرضى عن جميع الصحابة الكرام.
موضوع مشاركتنا اليوم هو: التعرّف على المعاني العميقة الكامنة في “الروح
القدس”.
ويُترجم “روح القدس” أحيانًا بالروح المقدسة، وأحيانًا يسميه بعض العلماء
بالروح الطاهرة. وقد ورد ذكر الروح القدس في القرآن الكريم أربع مرات. وفيما يتعلق
بحقيقة هذا الروح، فإن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما متفقان
على أن الروح القدس هو المَلَك جبريل عليه السلام.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى هذا المَلَك واسطةً في إنزال كتبه على البشر،
سواء التوراة أو الزبور أو الإنجيل أو القرآن الكريم، فجميع هذه الكتب نزلت على
الأنبياء بواسطة هذا المَلَك. ونحن نعلم أن كتب الله طاهرة مقدسة، صادرة مباشرة عن
الله سبحانه، وكلامه غير مخلوق، وهو أعلى وأشرف من كل المخلوقات. ولما كان إنزال
الوحي مهمة عظيمة، فإن المَلَك الذي كُلِّف بها لا بد أن يكون متصفًا بالطهارة
والقداسة التي أودعها الله في خلقه، ليكون أهلًا لأداء هذه الرسالة.
وقد ورد ذكر الروح القدس في أربع آيات من القرآن، ثلاثٌ منها تذكر أنه
أُيِّد به عيسى عليه السلام، ذلك العبد الذي وصفه الله بأنه روحٌ منه. وآية واحدة
ذكرت أن الروح القدس هو الذي نزل بالقرآن الحق على نبينا الخاتم محمد ﷺ. ومن هنا
كان لزامًا علينا أن نتعرّف أولًا على عيسى عليه السلام، لأن الله تعالى ذكر أن
الروح القدس أيّده. فلماذا خُصَّ عيسى عليه السلام بالذكر في ثلاث آيات على أنه
مُؤيَّد بالروح القدس، وهو أيضًا عبد وُصف بأنه روح؟
نبدأ أولًا بآية من سورة البقرة، الآية 87، لنتعرّف كيف كان تأييد الروح القدس
لعيسى عليه السلام، قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ
بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ
بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ
اسْتَكْبَرْتُمْ ۖ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾
ثم جاء في سورة البقرة أيضًا، الآية 253، قول الله تعالى:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم
مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ
وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا ۚ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ
شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾
وفي سورة المائدة، الآية 110، قال الله تعالى:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي
عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ۖ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ
النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ
الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ
الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ
وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
في هذه الآيات الثلاث ذُكر أن الروح القدس، أي الروح الطاهرة، قد أيَّدت
عيسى عليه السلام. وما ينبغي لنا أن نتعلّمه هنا هو: لماذا كان عيسى عليه السلام
مستحقًا لتأييد الروح القدس؟ ولماذا شاء الله أن يجعل هذا المَلَك العظيم، الذي
وُصف بالقداسة والطهارة، معينًا له؟
وللإجابة عن ذلك، لا بد أولًا من التعريف بشخصية عيسى عليه السلام. فقد
وصفه الله بأنه “روح”، وهذا الوصف يدل على أنه كان متصفًا بصفة الطهارة الإنسانية،
ومحصونًا بحفظ الله. فهو لم يكن خاضعًا لإغواء النفس البشرية وشهواتها، أي إن نفسه
لم تكن تأمره بالسوء، ولم يكن عنده دافع داخلي يدعوه إلى ارتكاب القبيح أو الظلم.
كما أن نفسه لم تكن تتبع الأهواء الشخصية أو الميول النفسية الخاصة، فلم يكن يعين
الباطل، ولا يقول كذبًا أو نفاقًا.
وكان من خصائص طبيعته الإنسانية أيضًا أنه لم يكن يحمل أي دافع أناني، فلم
يكن يسعى إلى إثارة النزاعات أو الخلافات، ولم يكن فيه حسد أو سوء ظن، ولم تظهر
عليه الصفات الأخلاقية السلبية التي توجد في بعض الناس. فقد كان محفوظًا بعناية
الله، وكانت طبيعته الإنسانية خالية من الابتلاءات التي يواجهها غيره من البشر.
ولم يكن بحاجة إلى مجاهدة النفس كما يحتاج غيره، بل كان في حالة نفس مطمئنة وسكينة
داخلية دائمة.
وبسبب هذه الخصيصة، كان من جهة أخرى غير قادر على إدراك طبيعة من يعيشون
صراع النفس البشرية وابتلاءاتها. فكيف يمكن فهم ذلك؟
إن نفسه، التي لم تكن تأمره بالسوء وكانت في حالة نفس مطمئنة، لم تمكّنه
من فهم حال من تغلب عليهم الأنانية، ويتبعون شهواتهم، وتدفعهم نفوسهم إلى الخضوع
للمغريات المادية، فيرتكبون القبيح ويقعون في الظلم.
وفي ذلك الزمن، كان كثير من الناس متصفين بهذه الصفات، يحملون الأنانية
ويمارسون الظلم والمعصية. فشريعة موسى عليه السلام كانت تُعلّم الناس كيف لا يعصون
أوامر الله، ولكن عددًا كبيرًا منهم اتبع أهواءه، ولم يلتزم بما جاء في كتاب موسى
من معايير الحلال والحرام. ولهذا فإن كثيرًا من بني إسرائيل الذين لم يُربّوا
نفوسهم تربية صحيحة وقعوا في الجرائم والمعاصي.
وعيسى عليه السلام، لطهارة نفسه وصفائها، لم يكن قادرًا على الفهم الحقيقي
للحالة النفسية لهؤلاء المجرمين والعصاة، ولم يكن يدرك أسباب انحرافهم على وجه
الدقة. وكثيرًا ما كان لا يحتاط منهم، لأنه هو نفسه صالح ومحفوظ، ولا يعرف خصائص
الشر والإفساد الكامنة فيهم، فلا يتوقع أذاهم ولا يستعد له، بينما كان أولئك العصاة
يسعون بشتى الطرق لإيذائه.
ولأن الله خلقه على هذه الفطرة النقية، وفي حالة النفس المطمئنة، ليكون
داعيًا إلى الخير وهاديًا للناس، وكان الذين لا يريدون الخير يسعون إلى إيذائه،
فقد شاء الله أن يسانده الروح القدس الطاهر، ليؤيده ويحفظه ويحميه.
كانت الطبيعة الإنسانية لعيسى عليه السلام محفوظة بعناية الله، فلم يكن
يتبع الأهواء الشخصية للناس في كلامه، بل كان لا يقول إلا الحق، ولا ينطق بالكذب
أبدًا، ولا يلجأ حتى إلى الأعذار الباطلة. بل إنه لم يكن يعرف هذه الأمور أصلًا:
كيف يكذب الناس؟ وكيف يختلقون الأعذار؟ لأنه كان محفوظًا، خُلق ابتداءً على حالة
النفس المطمئنة، فلم يكن قادرًا على إدراك حقيقة نفوس الكاذبين ولا خصائص النفاق.
وفي بني البشر كثير من المنافقين الذين يكذبون ليخدعوا الناس، وينالوا
ثقتهم، ويستجلبوا رضاهم. ولذلك نجد أنه قبل الآية الواردة في سورة البقرة رقم 253
التي ذكرت تأييد عيسى عليه السلام بالروح القدس، ذُكرت نعم الله على داود عليه
السلام، حيث بيّن الله أنه آتاه الحكمة والملك والعلم. وكان الكتاب الذي أُعطيه
داود عليه السلام، وهو الزبور، كتاب تسبيح وحمد وثناء على الله.
ونحن نعلم أن داود عليه السلام وابنه كانا لا يتبعان أهواءهما الشخصية
أبدًا، وكانا من الصادقين. ولماذا؟ لأن الله أنعم عليهما بالزبور، وجعلهما خلفاء
في الأرض، وأعطاهما الملك، وكان هذا الملك تكليفًا ورسالة من الله لهداية الناس
إلى الطريق المستقيم. فكل ما أمرا به كان بنعمة من الله، وكانا صادقين، ولم
يستعملا سلطتهما ولا ملكهما في الظلم.
ومن هنا نعلم أن داود عليه السلام لم يكن طالبًا لمصلحة شخصية، ولم يستعمل
الملك الذي أُعطيه لإشباع شهواته الجسدية أو رغباته النفسية. فقد كان يقوم الليل،
ويصوم النهار، حتى صار مثالًا يُقتدى به للأجيال اللاحقة. وقد ورد في الحديث أن من
تجاوز عبادته فقد وقع في الغلو. وكان ابنه يسبّح الله ليلًا ونهارًا .
لكن هل كان جميع بني إسرائيل من أهل الكتاب، من اليهود، قادرين على بلوغ
هذه المرتبة؟
إذا لم يتبعوا طريق أنبيائهم، وانشغلوا بالدنيا وتعلّقوا بها، حتى إنهم
عجزوا عن أداء الفرائض، فمن أين لهم قيام الليل؟
ومن خلال نعم الله على داود عليه السلام ثم على عيسى عليه السلام، حيث
أُعطوا وفرة في النعم المادية، وكثرة في إرسال الأنبياء إليهم، ارتفعت مكانتهم
الاجتماعية، وعلت منزلتهم، وزاد شرفهم. لكن كثيرًا من الناس تعلّقوا بهذه المناصب
والجاه والسلطة والشرف، وأهملوا عبادة الله، ولم يعبدوا الله كما عبدته أنبياؤهم،
فصاروا يتبعون أهواءهم، ولا ينصرون الحق. ومن لا ينصر الحق يتصف بالكذب.
وفي زمن عيسى عليه السلام كان هذا الصنف من الناس منتشرًا بكثرة. ومثال
ذلك: مريم عليها السلام، أم عيسى عليه السلام، العذراء التي أنجبت عيسى دون زواج.
فعجز هؤلاء من أهل الكتاب عن كبح ألسنتهم، وبدؤوا بالكذب والافتراء عليها، ورموها
بأقوال باطلة، مما يدل على أنهم لم يوقنوا بآية الله، وهي أن الله إذا أراد شيئًا
قال له كن فيكون، وأنه يفعل ما يشاء.
ولأنهم لم يبلغوا اليقين، لما جاءت هذه الآية الإلهية أخذوا يظنون
ويتخبطون، ولم يعرفوا الحق، فانطلقت ألسنتهم بالكذب، بدءًا من الافتراء على الناس،
وصولًا إلى إنكار حقيقة الله. أما عيسى عليه السلام، وكان متصفًا بالطهارة
والقداسة، فقد كان من الصعب عليه أن يفهم كيف يمكن أن يوجد أناس يتصفون بالكذب
بهذه الصورة.
وقد اختار الله عيسى عليه السلام اختيارًا خاصًا، فكان روحه في حالة دائمة
من النفس المطمئنة والروح الطاهرة، لأن الله أراد أن ينزل عليه كتابًا، وهو
الإنجيل. وفي هذا الكتاب بيان لحقيقة الروح، وعيسى نفسه كان روحًا، ليُعرّف الناس
ببعض شؤون الغيب غير المشهود.
فكيف يمكن لشخص يتصف بالكذب أن يؤمن بعيسى عليه السلام؟ وكيف يستطيع عيسى
عليه السلام أن يبلّغ هذا الكتاب؟ وهو لا يعرف حقيقة أهل الكذب معرفة تامة؟ ولذلك
جعل الله الروح القدس يسانده ويحفظه، لئلا يتعرض لأذى المنافقين.
ومن الأمثلة على ذلك أن أحد حوارييه، واسمه يهوذا، خانَه. وهذا يدل على أن
عيسى عليه السلام كان يجد صعوبة في التمييز بين المؤمن الصادق والمنافق، لأن من
صفات المنافقين أنهم يتسللون إلى صفوف أهل الحق طلبًا لمنافع دنيوية، أو يتظاهرون
بالمساندة بينما يفسدون في الخفاء.
وقد وُجد هذا الصنف من الناس أيضًا في زمن نبينا محمد ﷺ. ولأن عيسى عليه
السلام لم يكن قادرًا على إدراك خصائص المنافقين إدراكًا كاملًا، كان تحفّظه منهم
أقل، لكن كتاب الله كان لا بد أن يُبلَّغ، وكان لا بد من هداية بني إسرائيل ومن
عاصرهم لعبادة الله لينالوا خير الدنيا والآخرة. ولذلك أرسل الله الروح القدس
ليؤيد عيسى عليه السلام ويحميه من الأذى.
لقد نال عيسى عليه السلام نعمةً من الله جعلته يُوصَف بأنه “روح”، ومتصفًا
بصفات الروح الطاهرة والنفس المطمئنة. فكانت طبيعته الإنسانية غير خاضعة لإغراءات
الشهوات المادية، ولا تتبع الأهواء النفسية أو الميول الروحية الخاصة، وكانت نفسه
خيّرة خالصة لا تأمره بالشر ولا تدفعه إلى الظلم. والنفس الخيّرة الخالصة لا تحمل
صفات النفاق.
وفي المقابل، كان من بني إسرائيل في ذلك الوقت من انجذب إلى الدنيا
وشهواتها، فارتكب المعاصي والظلم والفواحش، ومنهم من اتبع أهواءه النفسية فسلك
طريق الكذب والباطل والظلم، ومنهم من كانت نفسه تحمل صفات الرياء، فيعمل الخير لا
طلبًا لثواب الله، بل طلبًا لمدح الناس أو لمنافع دنيوية أخرى.
وكان عيسى عليه السلام وأمّه مريم عليها السلام آيتين من آيات الله؛ فقد
أنجبت مريم ولدها من غير زواج، فأعطاها الله في رحمها ابنًا وُصف بأنه “روح”،
لتشهد بذلك صفة من صفات الله العظيمة، وهي أنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.
وكان عيسى عليه السلام، بما أنه متصف بحالة النفس المطمئنة وبصفة الروح الطاهرة،
آيةً قائمة بذاتها، إذ إن كل من يبلغ هذه الحالة من صفاء النفس والطهارة الروحية يكون
مؤهلًا لدخول الجنة في الآخرة.
ولهذا جعل الله عيسى عليه السلام يدخل الجنة في الدنيا ليكون شاهدًا
ودليلًا، وليوقن الناس أن من عبد الله حقًّا، وبلغ حالة النفس المطمئنة، وربّى
طبيعته الإنسانية، وأيقظ صفة الروح الطاهرة فيه، فإنه يدخل الجنة. فصار عيسى عليه
السلام شاهدًا يُرى في الدنيا على هذه الحقيقة.
ومن هذه الجهة كان عيسى عليه السلام آيةً للبشرية كلها، وهو سينزل مرةً
أخرى ويسير على طريق النبي الخاتم محمد ﷺ، ليُعلِم الناس أن من تحقّق بالطهارة
الروحية بلغ الجنة. فنحن وإن لم نُرفع في الدنيا إلى الجنة كما رُفع عيسى عليه
السلام، إلا أننا إذا عبدنا الله وحققنا الطهارة الروحية، فإننا بعد البعث ندخل
الجنة، كما دلّت عليه حال عيسى عليه السلام. ولهذا جعل الله هذا المشهد آيةً تُرى
في الدنيا، كما جعل من بني إسرائيل من شهدوا البعث بأعينهم، فآمنوا من خلال تلك
الآيات أن الله قادر على إحياء الموتى.
ومن خلال آية عيسى عليه السلام نعلم أن الله يُدخل الجنة كل من بلغ حالة
النفس المطمئنة واتصف بصفة الروح الطاهرة.
ولأن عيسى عليه السلام وأمّه كانا من أعظم آيات الله، فقد بشّر الروح
الطاهر مريمَ عليها السلام، وكان عيسى عليه السلام نفسه آيةً من آيات الله. وحين
جاء وقت أداء رسالته، أُيِّد بالروح القدس ليحفظه ويعينه على تبليغ الحق. وفي ذلك
دليل واضح على أنه ما دام متصفًا بحالة النفس المطمئنة وكان من أهل الصلاح، فإن
قوى الشر لا يمكنها أن تؤذيه، بل يناله دائمًا عون الله ونصره.
وهكذا أيّد الله عباده الصالحين بروحه الطاهرة، ليُعرّفنا بهذه الحقيقة،
فنُكثر من حمد الله، ونخلص له العبادة، ونتوكل عليه توكلًا كاملًا. ونوقن أيضًا أن
القرآن الكريم قد نزل بواسطة هذا الروح الطاهر، وهو هداية للبشرية كلها. وباتباع
هداية القرآن نصبح من المتقين، ومن الصالحين، ومن الصابرين، وننال عون الله وحفظه
في الدنيا والآخرة.
فالقرآن الكريم يشتمل على ما ورد في شريعة موسى عليه السلام من الأحكام
المتنوعة، وقد جاء بها في صورة أكمل وأتم، ويشتمل كذلك على ما في الزبور من تسبيح
الله وحكمته، موجهًا الناس إلى عدم اتباع الأهواء النفسية، ويبيّن أيضًا ما جاء في
الإنجيل من الدعوة إلى الزهد في الدنيا والاستعداد لنعيم الآخرة، والعمل الصالح
دون رياء، طلبًا للثواب الأبدي الدائم.
إن النعمة التي أُعطيها عيسى عليه السلام هي أنه بلغ مباشرة حالة النفس
المطمئنة، وكانت نفسه مهيأة ومُهذَّبة من غير حاجة إلى مجاهدة أو تربية تدريجية،
فبلغ الطهارة الروحية من غير كلفة. أما نحن، فمن خلال هداية القرآن الكريم، نُربّي
نفوسنا البشرية، حتى لا تنجذب إلى الشهوات المادية، ونجعل لأعمالنا ميزان الحلال
والحرام، وألا نكون خاضعين للأهواء النفسية أو الميول الفكرية الشخصية نفعل ما
نشاء بلا ضابط، بل يكون عندنا معيار للحق والباطل، والصدق والكذب.
ويعلّمنا القرآن أن نكون بشرًا صادقين، أهل أمانة وإخلاص ووفاء، نعمل
الصالحات طلبًا لثواب الله وحده من غير رياء. ويعلّمنا كيف نكون مخلصين لله،
ومخلصين لكتابه، ومخلصين لرسله وأنبيائه ومن يدعون إلى الطريق المستقيم، ومخلصين
لولاة أمر المسلمين، ومخلصين لعامة المسلمين. وهذه الصفات لا تجتمع مع النفاق ولا
الرياء.
ومن خلال هداية القرآن الكريم يمكننا نحن أيضًا أن نسعى إلى بلوغ حالة
النفس المطمئنة، وأن نتحقق بصفات الروح الطاهرة، وعندئذٍ ننال عون الله وتأييده،
لأن الله تعالى يقول إنه مع المتقين والمحسنين والصابرين.
أما الموضع الرابع الذي ذُكرت فيه الروح القدس، فهو في سورة النحل، الآية
102، قال الله تعالى:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ
لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾
فهذه الآية تبيّن أن القرآن نزل لتثبيت المؤمنين، وليكون هداية وبشرى
للمسلمين، أي بشارة بخيري الدنيا والآخرة، وبالثواب الحسن، وليكون دليلًا يهدي
التائبين والراجعين إلى الله. وهذا يعني أن القرآن يشتمل على هداية الله لجميع
البشر، ليبلغوا الإيمان الصحيح الكامل. وقد أكمل الله به دينه، وبيّن للناس طريق
عبادته، وعلّمهم كيف يصلون إلى مرتبة الإحسان، وهي أن يعبدوا الله كأنهم يرونه،
فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم.
ومن هنا نتعلّم أن أتباع القرآن الكريم، وأتباع النبي محمد ﷺ، يمكنهم هم
أيضًا أن ينالوا تأييد الروح القدس. فقد ورد في صحيح البخاري، وسنن الترمذي، وسنن
أبي داود، أن رسول الله ﷺ أقام منبرًا لحسّان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه في
المسجد، لأنه كان يدافع عن رسول الله ﷺ، ثم قال النبي ﷺ:
«اللهم أيِّد حسّان بروح القدس، كما نافح عن نبيك».
وكان حسّان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ، وقد نال تأييد جبريل عليه السلام،
فكان لسانه ينطق بأجمل أبيات المدح والثناء على الله، وبأبلغ الشعر في نصرة النبي
ﷺ، حتى عجز المشركون عن مجاراته.
وبعد أن نزل القرآن الكريم محفوظًا، لم يعد الروح القدس ينزل بكتاب جديد
للبشر، لكنه ما زال ينزل مع الملائكة في ليلة القدر من كل عام، لأن في تلك الليلة
نزل القرآن الكريم العظيم. فمن قام تلك الليلة داعيًا ربه، وجعل القرآن هداية له،
وضبط به سلوكه، وسعى به إلى خير الدنيا والآخرة، فإنه يلقى الروح القدس في تلك
الليلة، وإن كان لا يراه، فإنه يراه.
ولهذا ينبغي أن نجعل القرآن الكريم قائدًا لحياتنا، وأن نلتزم به، ونتبع
طريق نبينا محمد ﷺ، ونعبد ربنا، ونسعى إلى رضاه بالفرائض أولًا، ثم بالنوافل. فإذا
رضي الله عن العبد، ذاق عون الله ونصره، وقد يبلغ أن يكون الله سمعه الذي يسمع به،
وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها.
وقد جاء في صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:
«إذا أحبّ الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبَّه، فيحبه
جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبّوه، فيحبه أهل
السماء، ثم يُوضَع له القبول في الأرض».
فمن نال محبة الله، نال محبة جبريل والروح القدس، ومحبة سائر الملائكة،
ومحبة أهل الإيمان في الأرض. وهؤلاء هم الذين لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم
يحزنون في الدنيا.
نسأل الله أن يرزقنا هذه النعمة.
ونكتفي بهذا القدر اليوم، فإن كان في الكلام تقصير أو خطأ في التعبير أو
عدم وضوح في البيان، فنستغفر الله تعالى، ونرجو من الإخوة والأخوات العفو والصفح،
وجزاكم الله خيرًا على حسن الاستماع والمشاركة.
تعليقات
إرسال تعليق