(39) سورة البقرة – خمسة مواقف مع بني إسرائيل شهدوا حقيقة البعث في الدنيا

   
(39) سورة البقرة – خمسة مواقف مع بني إسرائيل شهدوا حقيقة البعث في الدنيا

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، الذي أحيا القلوب بنور الإيمان، وأقام الحجة على عباده بالآيات والبراهين، وجعل من قصص الأمم السابقة عبرةً لأولي الأبصار، ليزداد المؤمنون يقينًا، ويهتدي الضالون إلى طريق الحق. والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ، النبي الخاتم، الذي بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، وكشف الله به الغمّة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يتناول هذا الدرس موضوعًا من أعظم موضوعات العقيدة، وهو الإيمان بالبعث بعد الموت، الذي يُعدّ أحد أركان الإيمان الأساسية، وركيزةً من ركائز اليقين بالله واليوم الآخر. فالإيمان بالبعث ليس مجرد تصديق ذهني، بل هو إيمان ينعكس على سلوك الإنسان، ويضبط تصرفاته، ويجعله يستقيم على طريق الحق، خوفًا من الحساب، ورجاءً في الثواب.

وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجعل للبعث شواهد محسوسة في الدنيا، لا تبقى مجرد أخبار غيبية، بل تتحول إلى وقائع تاريخية رآها بعض البشر بأعينهم، وشهدوا تفاصيلها، لتكون حجةً قاطعة على قدرته المطلقة في الإحياء بعد الموت. ومن أظهر هذه الشواهد ما قصّه الله علينا في كتابه عن بني إسرائيل، حيث تكررت في تاريخهم مشاهد الإحياء بعد الموت بطرق مختلفة، وعلى أيدي أنبيائهم، لتكون آيات واضحة لا مجال للشك فيها.

وفي هذا الدرس نستعرض خمسة مواقف عظيمة من تاريخ بني إسرائيل شهدوا فيها حقيقة البعث في الدنيا

إن هذه القصص لا تُروى لمجرد السرد التاريخي، وإنما جاءت لترسيخ عقيدة التوحيد الخالص، وبيان أن الإحياء والإماتة بيد الله وحده، لا يشاركه فيها أحد، وأن كل ما يظهر على أيدي الأنبياء من معجزات إنما هو بإذن الله وقدرته، ليكون دليلًا على صدقهم، لا سببًا في الغلو فيهم أو رفعهم فوق منزلتهم البشرية.

كما تهدف هذه الدروس إلى تصحيح مفهوم الإيمان بالقضاء والقدر، وتعليم المؤمن كيف يجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، وكيف يرضى بقضائه في السراء والضراء، ويوقن أن ما قدّره الله له من حياة أو موت، ومن نعمة أو ابتلاء، كله داخل في حكمته وعدله ورحمته.

ومن خلال التأمل في هذه الشواهد، يتبيّن لنا أن البعث حق، والحساب حق، والجنة والنار حق، وأن الدنيا مرحلة اختبار، وأن الآخرة هي دار القرار. ومن آمن بذلك الإيمان الصادق عاش في هذه الدنيا مستقيمًا، عادلًا، خائفًا من الظلم، حريصًا على الطاعة، متطلعًا إلى لقاء ربه بقلب سليم.


السلام على الإخوة والأخوات في هذه المجموعة.
نحمد الله العلي العظيم، ونصلي ونسلم على نبينا الخاتم محمد ﷺ، ونسأل الله أن يرضى عن جميع الصحابة الكرام.

موضوعنا اليوم هو الحديث عن خمسة مواقف من بني إسرائيل شهدوا فيها حقيقة البعث في الدنيا، من خلال أنبيائهم أو بأعينهم، ليدركوا معنى الإحياء بعد الموت ويترسخ في قلوبهم الإيمان بلقاء الله. وهذه المواقف تتعلق بـ:
نبي الله موسى عليه السلام،
ونبي الله عزير عليه السلام،
وقصة بني إسرائيل الذين عبدوا العجل ثم طلبوا رؤية الله جهرة، فأماتهم الله ثم أحياهم،
وقصة بني إسرائيل الذين فرّوا من الطاعون فأنزل الله بهم الموت ثم أحياهم،
وقصة بقرة بني إسرائيل المذكورة في سورة البقرة، حيث قُتل رجل واتُهم بريء، فأمر الله أن يُضرب القتيل بجزء من البقرة فبعثه الله وأخبر عن قاتله، فكان ذلك دليلاً واضحًا على البعث.

فهذه القصص كلها من تاريخ بني إسرائيل، وإذا جمعناها معًا أدركنا ما تحمله من أسرار ومعانٍ عظيمة عن حقيقة البعث، وكيف جعل الله في الدنيا شواهد محسوسة ليزداد الناس يقينًا وإيمانًا.

أولًا: قصة موسى عليه السلام

قال الله تعالى في سورة الأعراف الآية 143:

﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

من هذا المشهد نتعلم أن موسى عليه السلام طلب رؤية ربه في الدنيا، ولكن الله بيّن له أن البشر لا يطيقون رؤية الله في الدنيا. فلما تجلى الله للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا. ثم لما أفاق قال:
 سبحانك، تبت إليك، وأنا أول المؤمنين

وفي هذا دلالة على أن الله قادر على أن يميت ويحيي، وأن لقاء الله حق، وأن البعث بعد الموت حقيقة ثابتة، وقد شهد موسى عليه السلام هذا المعنى بنفسه ليكون حجة له ولقومه.

ثم جاء في الحديث الشريف ما يؤكد هذه الحقيقة.
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن يهوديًا جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو أن أحد الأنصار لطمه. فاستدعى النبي ﷺ الأنصاري وسأله، فقال:
 (يا رسول الله، مررت بهذا اليهودي فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر. فقلت: وعلى محمد ﷺ؟ فغضبنا، فلطمته )

فقال النبي ﷺ:
 لا تخيّروني على الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقته يوم الطور .

وفي هذا الحديث دلالة عظيمة على أن موسى عليه السلام قد شهد الصعق والإفاقة في الدنيا، فكان ذلك كافيًا له، وأنه من الذين أيقنوا بلقاء الله والبعث بعد الموت يقينًا لا شك فيه.

ثانيًا: قصة عبدة العجل من بني إسرائيل

قال الله تعالى في سورة البقرة الآيات 54–56:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

أي أن بني إسرائيل لما عبدوا العجل ظلموا أنفسهم، فأمرهم الله بالتوبة الصادقة. ثم لما قالوا: لن نؤمن حتى نرى الله جهرة، أخذتهم الصاعقة فماتوا، ثم أحياهم الله من بعد موتهم، ليكون ذلك شاهدًا حيًا لهم على قدرة الله على الإحياء بعد الموت، وليزدادوا شكرًا وإيمانًا.

 نعلم من هذه الآيات أن الذين عبدوا العجل، لما تابوا توبة صادقة، قبل الله تعالى توبتهم. وقد جاء في كتب التفسير أن توبتهم كانت بأن يقتل بعضهم بعضًا، فكان من قُتل ومن بقي حيًا جميعهم مشمولين بمغفرة الله ورحمته. ثم بعد ذلك طلبوا من موسى عليه السلام أن يروا الله جهرة. ومعلوم أن من وقع في الشرك وعبادة الأصنام غالبًا ما يضعف يقينه بلقاء الله في الآخرة، لأن من يجعل لله شريكًا في الدنيا من خلال صور أو مخلوقات محسوسة، لا يكون لديه إيمان صادق بحقيقة البعث ورؤية الله في الآخرة. وهذا يدل على أن بني إسرائيل في ذلك الوقت لم يكن لديهم يقين راسخ في هذا الباب، ولذلك شاء الله أن يريهم آية الإحياء بعد الموت ليزدادوا يقينًا، ثم يأمرهم بعد بعثهم أن يسيروا على طريق رسولهم.

وكيف يكون الإنسان من الشاكرين؟
يكون ذلك باتباع طريق الرسول، وعبادة الله وحده دون إشراك شيء به، وجعل الأعمال الصالحة سلّمًا للقائه في الآخرة وهديةً يقدمها بين يديه. فبعد أن أُحيوا من جديد، وحصل لهم اليقين الصحيح بلقاء الله في الآخرة، صاروا مطالبين بأن يعبدوا الله بجدّ وإخلاص في الدنيا، وألا يجعلوا أي مخلوق شريكًا له، وألا يتخذوا شيئًا من صور الخلق أو مظاهرهم أندادًا لله. ومن هذا المشهد نتعلم نحن أيضًا هذه الدروس، كما أنه رسالة لبني إسرائيل وكل من وقع في الشرك أن يسلك طريق الهداية والتوحيد.

ثم نأتي إلى قصة القتل والاتهام الباطل في سورة البقرة، في الآية 72، حيث قال الله تعالى:

﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾

أي أنكم قتلتم نفسًا، ثم أخذتم تتخاصمون ويتهم بعضكم بعضًا، بينما كان الله سبحانه سيُظهر الحقيقة التي أخفيتموها.

وقد ورد في التفاسير أن ثلاثة إخوة قتلوا عمّهم طمعًا في ميراثه، ثم اتهموا غيرهم بقتله. فأراد الله أن يكشف الحقيقة، فأمرهم بذبح بقرة، ثم ضرب القتيل بجزء منها، فبعثه الله حيًا، فشهد أن أبناء أخيه هم الذين قتلوه. فكان ذلك دليلًا واضحًا على الإحياء بعد الموت، وكشفًا للحق، وإقامة للحجة.

ومن هذا المشهد نتعلم أن الشريعة الإلهية تقوم على ميزان للخير والشر، وأن كتاب الله حق، وأنه كلام رب العالمين، مالك الملك، الذي لا يُردّ حكمه ولا يُعطَّل أمره. وكتابه يحمل الهداية للبشر، ويبيّن لهم ما هو الظلم وما هو العدل، وما هو الخير وما هو الشر، وكيف يسير الإنسان على طريق الصلاح.

ومن هذا الدليل نتعلم أيضًا الإيمان بيوم الجزاء والحساب، وأن كل ظلم سيُحاسَب عليه الإنسان، فمن لم تكن له حسنات كافية حُمِّل من سيئات غيره، ومن كانت له حسنات أُخذ منها بقدر ما ظلم. وأن الجوارح كلها: السمع، والبصر، واللسان، واليدين، والرجلين، ستشهد على الإنسان بما عمل. فهذا المشهد يرسّخ في القلوب الإيمان بعدل الله، ويجعل المؤمن حريصًا على ألا يظلم أحدًا، لأن من آمن حقًا بالحساب والجزاء امتنع عن الظلم.

ثم نأتي إلى الآية 243 من سورة البقرة، حيث قال الله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ۖ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾

وقد فسر ابن عباس رضي الله عنهما هذه الآية فقال:
إن أربعة آلاف شخص خرجوا من مدينتهم فرارًا من الطاعون، وقالوا: نذهب إلى مكان لا نموت فيه. فلما وصلوا، قال لهم الله: موتوا، فماتوا جميعًا. ثم مرّ عليهم نبي من أنبياء بني إسرائيل بعد زمن طويل، فدعا الله أن يحييهم، فأحياهم الله من جديد.

وقال عدد من السلف: إنهم كانوا من بني إسرائيل، فرّوا إلى وادٍ واسع بين جبلين، فأرسل الله ملكين، أحدهما على رأس الوادي والآخر في أسفله، فنادياهما صيحة واحدة فماتوا جميعًا. ثم جمع الناس عظامهم وأقاموا عليها سياجًا وبنوا قبورًا. وبعد زمن طويل مرّ نبي من أنبياء بني إسرائيل، فدعا الله أن يحييهم، فاستجاب الله دعاءه، وأمر العظام أن تجتمع، ثم أمرها أن تُكسى لحمًا وعصبًا وجلداً، وكان النبي يشاهد ذلك بعينه، ثم قيل له: نادِ الأرواح أن تعود إلى أجسادها. فقام الناس جميعًا أحياء، وهم يقولون:
(سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله)

وهذا كله مذكور في كتب التفسير.

ومن هذه القصة نتعلم أن القضاء والقدر لا يمكن الهروب منه، وأن الله هو رب العالمين، المدبّر لكل شيء، وهو الرحمن الرحيم. وما يقدّره الله للعبد من خير أو شر فهو ابتلاء، وما يراه الإنسان في الدنيا شرًا قد يكون سببًا في خير عظيم في الآخرة إذا صبر واحتسب، وما يراه نعمة قد يكون اختبارًا يُسأل عنه: هل استعمله في طاعة الله أم في معصيته؟

فهؤلاء القوم فرّوا من الطاعون خوفًا من الموت، فكان الموت هو مصيرهم، ليعلّمنا الله أن ما كُتب على الإنسان لا يمكن الفرار منه. ومع ذلك جعل الله قصتهم آية ورحمة، ودليلًا على قدرته على الإحياء بعد الموت، وتعليمًا للناس كيف يفهمون القضاء والقدر فهمًا صحيحًا.

وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ أنه قال:
(إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها)

فهذا يعلّمنا الجمع بين الأخذ بالأسباب الشرعية، والتوكل على الله، واليقين بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

من الدروس المستفادة من إحياء بني إسرائيل، ومن أحاديث النبي محمد ﷺ، أن المؤمن ينبغي له أن يسلّم لقضاء الله وقدره في السراء والضراء، وأن يطلب من الله التوفيق للرضا بأمره، وأن يعتمد عليه اعتمادًا كاملًا كما يليق بحال المتوكلين حقًا. فهناك أمور لا يمكن تغييرها، والموت حق لا مفرّ منه. ونحن نؤمن أن موتنا، رغم ما فيه من ألم ومعاناة وتجربة الفراق، فإن له في الآخرة جزاءً عظيمًا، لأننا بذوقنا للموت نشهد أن الله هو الحي الذي لا يموت، وأن كل ما سواه فانٍ. وبذلك يكون الموت شاهدًا على حياة الله الأزلية، وعلى أن الحياة الحقيقية الدائمة هي في الآخرة.

وبما أننا نقبل الابتلاء بالخير والشر، فإننا نشهد شهادة عظيمة، وهي أن رب العالمين الواحد الأحد، الخالق، لا تحدّه حدود، ولا تحكمه حاجة، ولا يقيّده وصف من أوصاف النقص، وهو كامل الحرية المطلقة. وكل المخلوقات مخلوقة وفق قدرٍ سابق وحكمة، وهي خاضعة للقضاء والقدر، أما الله سبحانه فهو وحده الذي لا يخضع للقدر ولا تحدّه القيود. وهو الذي يميت ويحيي، وذلك عليه يسير.

وقبولنا للابتلاء بالخير والشر دليل على إيماننا بأن الله لم يظلم خلقه، وأنه خلقهم بالحق، وأنه منزّه عن كل حاجة أو رغبة أو نقص. وهو غير مقيّد بحال أو صفة أو تكليف، بل هو سبحانه المتصف بالكمال المطلق والحرية المطلقة. فإذا قبلنا ابتلاءه وسعينا إلى الخير، فإنه بعد البعث يمنحنا نعيم الجنة والحياة الأبدية، فنبلغ حالًا من السعادة الخالصة، لا تعب فيها ولا تكليف ولا نقص، ويكون ذلك من آثار صفات كماله علينا، وننال به النعيم الأبدي.

ومن خلال هذه الآيات الدالة على الإحياء بعد الموت، نتعلّم أن نرسّخ يقيننا، وأن نجعل غايتنا السعي إلى الخير.

ثم نأتي إلى ما ورد في سورة البقرة عن نبي من أنبياء بني إسرائيل وهو عزير عليه السلام، الذي شهد حقيقة البعث، قال الله تعالى في الآية 259:

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

وقد فصّل المفسرون قصة بعث عزير عليه السلام، فذكر الطبري في تفسيره أن الله أحيا عينيه أولًا ليُبصر كيف يحيي جسده، حتى يرى بعينيه كيفية الإحياء بعد الموت. ثم لما اكتمل بعثه، أُرسل إليه مَلَك يسأله: كم لبثت؟ فقال: لبثت يومًا أو بعض يوم.

وجاء في التفاسير كذلك أنه أُريَ كيفية إحياء حماره، فهبت ريح فاجتمعت العظام بعضها إلى بعض، ثم كُسيت باللحم والعصب والدم والجلد، ثم أمر الله الملَك أن ينفخ فيه الروح، فنهق الحمار حيًّا.

وكان عزير عليه السلام من أنبياء بني إسرائيل، ولكن بعض أهل الكتاب الذين انحرفوا غلَوا فيه، فلما رأوا ما ظهر على يديه من الآيات والمعجزات زعموا أنه ابن لله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. والحقيقة أن الله جعله آيةً للناس، ودليلًا على قدرته، وحجة على أهل الكتاب ومن بعدهم، ليؤمنوا بأن ما جاءت به الرسل حق.

فقد اختار الله عزيرًا عليه السلام، وأراه بنفسه كيفية البعث: كيف تجتمع العظام، وكيف تُكسى لحمًا وعصبًا وجلداً، وكيف تُنفخ الروح فيها. كما رأى أن طعامه من العنب والتين لم يفسد ولم يتغيّر طوال مئة عام، وفي ذلك إشارة إلى أن نعيم الجنة لا يفسد ولا يتغيّر، وأن ما أخبر الله به عن نعيم الآخرة حق لا شك فيه.

فهذه القصة كلها جاءت لتكون برهانًا عمليًا على الإحياء بعد الموت، ولتدل أهل الكتاب وسائر الناس على صدق الرسل، وعلى أن قدرة الله مطلقة، وأن وعده حق، وأن البعث والنشور حقيقة لا ريب فيها.

 جميع الأنبياء قد كشف الله لهم شيئًا من أسرار الغيب، وأراهم منها ما يجعلهم يصلون إلى اليقين التام، وبذلك اليقين الثابت يستطيعون تبليغ ما أُعطوه من رسالة. فلو أن الإنسان نفسه لم يشهد ولم يتيقّن، فكيف يمكنه أن يجعل غيره يصدّق؟ ولهذا فإن هذا النبي نال نعمة عظيمة، إذ رأى بعينيه كيف يُبعث جسده خطوة بعد خطوة، ورأى كيف بُعث الحمار، ورأى الملَك وهو ينفخ فيه الروح، ورأى أن طعامه لم يفسد ولم يتغير. فلما شاهد كل ذلك قال:
 أعلم أن الله على كل شيء قدير

وبمعرفته هذه لأسرار الغيب التي كشفها الله له، نال خصيصة من خصائص النبوة، فأصبح مؤهلًا لتبليغ ما أُمر به. أما أهل الكتاب الذين انحرفوا، فلم ينظروا إلا إلى المعجزة ذاتها، ولم ينفذوا من خلالها إلى معرفة الحق.

أولًا: يجب أن نعلم أن عالم الغيب الذي خلقه الله لا بد أن يكون له من يبلّغ أخباره، ولهذا اختار الله من البشر أنبياء، وهذه رحمة ونعمة من الله لعباده.
ثانيًا: يجب أن نصل من خلال الآيات إلى معرفة الله، كما قال هذا النبي عندما تبين له الأمر:
(أعلم أن الله على كل شيء قدير)

فماذا نتعلّم من هذه الآية؟
نتعلّم أن ربنا، مالك الملك، الإله الحق المعبود، أن كل أسمائه الحسنى وصفاته العليا لا يجوز أن يُشرك معه فيها أحد. فهو منزه عن مشابهة الخلق، ومنزه عن كل نقص. وكل ما نعرفه عنه إنما نعرفه من خلال آياته وآثاره في الكون، فنشهد أنه قادر، كامل، محسن، عليم، حكيم. لكن صفاته في حقيقتها أعظم وأجلّ مما تدركه عقولنا من خلال هذه الآيات. ولذلك لا يجوز لنا أن نحد صفاته، ولا أن نقيسها بصفات المخلوقين.

ولهذا فإن هذه الآية جاءت لهداية الذين جعلوا لله ولدًا أو شريكًا، لأن كل صفات الله وأسمائه متعالية ومطلقة. فهل يمكن لمخلوق، وإن امتلك شيئًا من القدرة أو العلم أو الرحمة، أن يُقارن بالخالق الذي صفاته مطلقة وكاملة؟ إن ما لدى الإنسان من قدرة أو علم أو رحمة إنما هو أثر من آثار صفات الله، وليس مساويًا لها ولا مقاربًا لها في حقيقتها.

وقصة عزير عليه السلام في موته ثم بعثه تُظهر عجز المخلوق وسلبيته، وأنه مفعول به لا فاعل مستقلًا. وحتى الملائكة، وكذلك عيسى عليه السلام حين أُعطي بإذن الله القدرة على إحياء الموتى، فإنما كان ذلك بقدَرٍ من الله ليكون آية ودليلًا، فكل هؤلاء من جنس المخلوقين. فالمخلوقات يمكن أن يُقاس بعضها ببعض، كالإنسان مع الحيوان، لكن لا يجوز أبدًا أن يُقاس الخالق بالمخلوق، لأنهما ليسا من جنس واحد أصلًا.

إن الله خلق المخلوقات لتكون آيات تدل عليه، ولتكون دليلًا على وجوده وكماله، لا لتكون شركاء له. فالخالق خالق، والمخلوق مخلوق، ولا يمكن مساواتهما.

نكتفي بهذا القدر اليوم، فإن كان في الكلام زلة لسان، أو تقصير في البيان، أو عدم وضوح في الشرح، فإني أسأل الله العلي العظيم أن يعفو ويغفر، وأرجو من الإخوة والأخوات في المجموعة أن يتفضلوا بالعفو والصفح.
شكرًا لكم جميعًا على حسن الاستماع والمشاركة.

 

  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلتي من الصين الى الاسلام

دروس سورة الفاتحه (4) "رَبِّ الْعَالَمِينَ" — سر العوالم وشهادة الخلق بوحدانية الله

دروس سورة الفاتحه (1) الاستعاذة بالله – درع المؤمن ضد الوسوسة والانحراف