(38)سورة البقرة - ميزان الحق في مواجهة الأوهام: فهم “الأماني والظنون”
المقدمة :
الإخوة والأخوات في
المجموعة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نحمد الله العلي العظيم حمدًا كثيرًا،
ونصلّي ونسلّم على نبينا الخاتم محمد ﷺ صلاةً وسلامًا دائمين، ونسأل الله أن يرضى
عن الصحابة الكرام أجمعين. حديثنا اليوم يتناول قضية دقيقة تمسّ حياة الإنسان في
فهمه للدين والكون والمصير، وهي قضية “الوهم” وكيف ينشأ في القلب والعقل حين يغيب
ميزان الحق. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في سورة البقرة، الآية (78)،
حين وصف طائفةً ممن لا يعلمون الكتاب علمًا صحيحًا بأنهم لا يعتمدون إلا على
الأماني والظنون، فتتحول علاقتهم بالهداية إلى تصوّرات مبعثرة وتمنّيات لا تقوم
على علم ولا على اتباع للوحي.
ومن هنا نريد أن نُدرك أن الوهم ليس مجرد خطأٍ عابر في التفكير، بل قد يصبح منهجًا في النظر إلى الغيب والشرع والآخرة إذا انقطعت صلة الإنسان بالهداية الربانية، أو إذا خضع في فهم النصوص لأهوائه، أو إذا بالغ في تتبّع المتشابهات وترك المحكمات. فالإنسان خُلق محتاجًا إلى الإشباع في جسده ونفسه، وفي الوقت نفسه خُلق بروحٍ تطلب معنى الوجود، وتطلب معرفة ربها، ولا يستقيم له الأمران إلا بنور العقيدة الصحيحة، وبمنهج الإسلام، وبمقام الإحسان الذي يربّي القلب على مراقبة الله. فإذا ضعف هذا الميزان، دخلت الأماني في موضع الحقائق، وصار الغيب مجالًا للتخمين، وصار الدين قابلًا للتحريف بحسب الرغبات، فتنشأ الأوهام وتتسع حتى تضلّ بها القلوب. لذلك سنحاول في هذا الدرس أن نبيّن كيف تتكوّن الأوهام، وما صورها، وكيف يعصمنا القرآن والسنة من الوقوع فيها، حتى نثبت على الحق ونسير إلى الله على بصيرة.
الإخوة والأخوات في
المجموعة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نحمد الله العظيم
العليّ، ونُكثِر من الصلاة والسلام على نبينا الخاتم محمد ﷺ، ونسأل الله أن يرضى
عن جميع الصحابة الكرام.
موضوع حديثنا اليوم
هو: فهم معنى الوهم.
وذلك بالرجوع إلى ما
ورد في سورة البقرة، الآية (78)، حيث ذكر الله تعالى هذا المفهوم، فقال سبحانه:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا
يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾
ففي هذه الآية يبيّن
الله أن من أهل الكتاب من لا يعرفون الكتاب حق المعرفة، ولا يدركون حقيقته، وإنما
يعتمدون على الأوهام والتخمينات والظنون.
ونحن نريد من خلال
هذه الآية أن نفهم معنى الوهم الذي ذُكر فيها، وأن ندرك لماذا خلق الله هذه الحالة
في الإنسان، وكيف ينشأ الوهم عندما لا يُدرك الإنسان الحقيقة إدراكًا صحيحًا.
إن ربّ العالمين خلق
العوالم كلّها، وجعل جميع الموجودات آياتٍ تدلّ عليه، وتشهد على وجوده الذاتي،
وتكون بوجودها دليلًا على ثبوت ذاته سبحانه. وهي في الوقت نفسه تشهد على اتصافه
بالصفات، وتجلّي الفضائل، وظهور أسمائه الحسنى. فكل ما في الكون هو آية من آيات
الله، ودليل على أسمائه وصفاته وكماله.
والإنسان، بوصفه أحد
مخلوقات الله، خُلق وفيه رغبةٌ فطرية في كشف أسرار القدر. لأن الخالق سبحانه خلق
كل شيء بقدره، وجعل في هذا الخلق حقيقة ثابتة، بحيث يكون العالم المخلوق دليلًا
على وجوده، وعلى صفاته، وعلى فضائله وكماله.
فالإنسان لا يكتفي
بمجرد الشهادة على هذه الحقائق، بل خُلق وفيه ميلٌ إلى الانتفاع من هذا الخلق،
وإلى السعي لاكتشاف ما أودعه الله فيه من أسرار، ليبلغ بذلك نصيبه من نعم القدر،
وتتحقق له حاجاته، ويصل إلى نوع من الإشباع والاكتمال في حياته.
ولهذا فإن الإنسان
يحمل صفتين أساسيتين:
صفة إنسانية فطرية
تدفعه إلى السعي من أجل الإشباع، فيندفع لاكتشاف أسرار التقدير الإلهي في عالم
الخلق، لينال من خلالها النِّعَم والمنافع.
وصفة أخرى روحية،
تتمثل في أن عالم الخلق كلّه قد خُلِق ليكون آيةً دالّةً على الله، ولذلك فإن على
الإنسان أن يشهد بهذه الآية. ولكن كيف تكون هذه الشهادة؟ لا تكون إلا بالهداية.
ومن الذي يهدينا؟ إنما هو الخالق الذي أوجد هذه العوالم كلّها. فمن قَبِل الهداية
كان على طريق الحق، ومن لم يقبلها لم يكن على طريق الحق، فيقع في الأوهام عند
تفسير أسرار الخلق وحقيقته.
وبما أن الإنسان آية عظيمة
من آيات الخالق، وهو من مخلوقاته المكرّمة، فقد منحه الله هاتين الصفتين.
الأولى: أنه خلق له
جسدًا ماديًا، ونفخ فيه من روحه (الروح). وعند اجتماع الجسد مع الروح تنشأ الطبيعة
الإنسانية. وحينئذٍ تظهر حاجات الجسد وحاجات النفس، فتكون دافعًا قويًا للإنسان
إلى مواجهة عالم الوجود، ومحاولة كشف أسراره، طلبًا لما فيه من نِعَم مقدّرة،
وغايته من ذلك تحقيق الإشباع والحاجة.
أما الروح، فحاجتها
أعمق وأسمى؛ فهي لا تكتفي بالمنافع الظاهرة، بل تطلب إدراك المعنى الحقيقي الكامن
في هذا الوجود، وتريد أن تكشف حقيقة النِّعَم المقدَّرة فيه، لتعرف ما هي ماهيتها
وجوهرها، وبذلك تتحقق لها الطمأنينة والاكتمال.
فالحاجة الإنسانية
تدفع الإنسان إلى كشف عالم الخلق من أجل تحصيل الرزق، والثروة المادية، والثروة
المعنوية، وكل ما قدّره الله فيه من نِعَم.
أما الروح، فهي تدفعه
إلى كشف عالم الخلق من أجل معرفته، ومعرفة حقيقته، وإطلاق الشهادة الكبرى: أن هذا
الوجود كلّه آية على الخالق، ودليل على وجوده الذاتي، وعلى صفاته، وفضائله،
وأسمائه الحسنى.
فالإنسان يجمع بين
هاتين الصفتين المختلفتين:
صفة تسعى إلى كشف
الخلق لتحصيل النِّعَم وتحقيق الإشباع والشكر والحمد.
وصفة روحية تسعى إلى
كشف الخلق لمعرفة الله، وتحويل كل ما في الوجود إلى آيات شاهدة على الخالق، وإلى
تسبيحٍ وتمجيدٍ له.
وهذان الجانبان
بينهما فرقٌ واضح:
فالجانب الإنساني
(النَّفسي) يُصدر الحمد والشكر عندما ينال من نِعَم عالم الخلق ويستفيد منها،
أمّا الرُّوح
(الرُّوح الإلهيّة) فإنها تُصدر الحمد والشكر عندما تدرك أن هذا العالم كلَّه آيةٌ
دالّة على الله سبحانه وتعالى، وعندما تتعرّف إلى الخلق بوصفه تجلّيًا لوجود
الخالق وصفاته وأسمائه.
ورغم هذا الاختلاف،
فإن بين الجانبين قاسمًا مشتركًا واحدًا:
وهو أن كليهما لا
يبلغان الإشباع الحقيقي إلا إذا وُجِّها بالحق الذي أنزله الخالق سبحانه وتعالى.
فالإنسان من حيث إنسانيته
له نوعان من الإشباع:
إشباع في الدنيا من
خلال الرحمة العامة،
وإشباع في الآخرة من
خلال الرحمة الخاصة.
وأما الروح، ففي
الدنيا وهي في الجسد تتعرّف إلى الله من خلال عالم الغيب،
وفي الآخرة، حين يكشف
الله الحقائق كشفًا تامًا، فإنها تتعرّف إلى ربها في عالم الحقيقة والمشاهدة
الكاملة.
وكلا الجانبين
ينتهيان إلى غاية واحدة:
وهي تعظيم الله وحمده
وشكره.
ومن هنا يتبيّن أن
الطريق الذي يجمع بين إشباع الإنسان وإشباع الروح هو طريق واحد، وهو:
قبول الحق الذي أنزله
الخالق، وقبول هدايته، والسير على وفق هذا الحق في كشف أسرار التقدير الإلهي.
فحين يُكشف سرٌّ من
أسرار التقدير الإلهي:
- فإن انكشافه على مستوى الإنسان يُشبع حاجته الدنيوية.
- وانكشافه على مستوى الروح يُشبع حاجتها إلى معرفة الله وإدراك أن هذا
الوجود كلَّه آية عليه.
وبذلك يشترك الجانبان
في أصلٍ واحد، وهو أن الخالق سبحانه قد منح الإنسان:
الهداية،
والدين،
ومعيار العمل الصالح.
وباتباع هذه الأمور
الثلاثة يتحقق الإشباع الكامل:
- تشبع الإنسانية،
- وتشبع الروح،
- ويصدر الحمد الصادق،
- وتزول الأوهام والخيالات الباطلة من أصلها.
فكيف نحقق هذا
الإشباع المزدوج للإنسان والروح معًا؟
إنما يكون ذلك بقبول
الحق الذي أنزله الله، والعمل به:
- بالحق يُشبِع الإنسان حاجته، فيكشف أسرار النِّعَم المقدّرة في الخلق.
- وبالحق تُشبِع الروح حاجتها، فتعرف أن هذه الأسرار كلّها آيات تدلّ
على الله.
ولهذا أعطانا الخالق
سبحانه ثلاثة أصول عظيمة تمثل الحق الكامل:
الأول: العقيدة الصحيحة (الإيمان الحق)
وهي الإيمان بالله
وحده، وبالملائكة، وبالكتب، وبالرسل، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
وهذا هو الميزان الذي
يضبط معرفة الإنسان لربه وللوجود.
الثاني: الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وهو الإسلام
وهو النظام الذي يضبط
سلوك الإنسان، ويحدد ما يُرضي الله وما يسخطه، ويبين الجزاء والعاقبة.
الثالث: مقام الإحسان
وهو أن تعبد الله
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فأي عمل لا يبلغ هذا
المقام لا يكون مقبولًا عند الله قبولًا كاملًا.
فإذا اجتمعت هذه
الحقائق الثلاث في حياة الإنسان:
- استطاعت الإنسانية أن تكشف أسرار التقدير الإلهي في الخلق، فتحصل على
النِّعَم وتُشبع حاجاتها.
- واستطاعت الروح أن تكشف حقيقة الخلق، فتدرك أن الوجود كلَّه آية على
الله، فتصل إلى مقام معرفة الرب.
وعندئذٍ يصدر الحمد
الكامل، والشكر الصادق،
ولا يبقى للخيال
والوهم موضع في القلب،
لأن الإنسان يكون قد
سار على الحق الذي أنزله الخالق،
فأشبع إنسانيته،
وطهّر روحه، وحقق الغاية التي خُلق من أجلها.
والآن ننتقل إلى
بيانٍ عمليٍّ يوضّح أن الإنسان إذا لم يمتلك هذه الحقائق الثلاث، فإنه لا بد أن
يقع في الأوهام تجاه عالم الخلق، وتجاه الخالق سبحانه وتعالى، وتجاه ما يختصّ به
من صفاتٍ وكمالاتٍ وأسماءٍ حسنى، بل وحتى تجاه حقيقة ذاته سبحانه وتعالى. وسنحاول
تحليل ذلك بصورة واضحة.
أولًا: إذا لم تنل
الإنسانية التوجيه الصحيح، ولم تتلقَّ الحق، فإنها حتمًا ستقع في الوهم فيما
يتعلّق بعالم الخلق. فالطبيعة الإنسانية تدرك بوضوح أن أول ما تحتاج إليه هو إشباع
الحاجات العاجلة، والحاجات التي تقع تحت نطاق الحواس: ما تراه العين، وما تسمعه
الأذن، وما يُلمَس باليد، وما يُذاق بالفم، وما يُشمّ بالأنف. فالجسد يطلب حاجاته
المادية مباشرة، والإنسان يعلم يقينًا أن هذه الحياة محدودة، وأن هذا الجسد مآله
إلى الموت، ولذلك يسعى أوّلًا إلى تحصيل منافع الدنيا ونِعَم العالم المادي.
ومن هنا نشأت العلوم
الإنسانية والطبيعية، التي تقوم على التجربة والإثبات. فما يمكن إثباته تجريبيًا
يؤمن به الإنسان إيمانًا كاملًا، ولا يرى فيه وهمًا. وحتى ما لم يُثبَت بعد، ولكنه
قابل للإثبات مستقبلًا بوسائل العلم، فإن الإنسان يميل إلى قبوله، على اعتبار أن العلم
سيتوصّل إليه يومًا ما. وبعبارة أخرى: حتى في هذا المجال قد توجد تصوّرات غير
يقينية، لكنها تظل ضمن أفق يمكن للعقل والعلم أن يبرهنا عليه.
غير أن الإشكال
الحقيقي يبدأ عندما نصل إلى مسألة الروح. فالإنسان في حقيقته ليس جسدًا فقط، بل له
روح، وله “روح إلهيّة” (الرُّوح التي نفخها الله فيه). وعندما يحاول الإنسان أن
يتعرّف إلى هذه الروح من غير هداية إلهية، ومن غير حقٍّ واضح، يبدأ الوهم والتخمين.
ومن هنا ظهرت أوضح
صور الخيال والانحراف في مسألة الروح، كما نراه في عبادة الأصنام مثلًا، حيث يعجز
الإنسان عن الفهم الصحيح للحياة والروح، ولا يستطيع الوصول إلى حقيقة الرُّوح
الإلهيّة. فلو أدرك الإنسان حقيقة الرُّوح، لعلم أنها آية من آيات الله، وأن
وجودها دليل على أن جميع الخلائق ستذوق الموت، ثم تُبعث من جديد، وتقوم للشهادة.
وحينئذٍ سيتساءل
العقل السليم:
من الذي يحيي هذه الخلائق
بعد موتها؟
ومن الذي يعيدها إلى
الوجود مرة أخرى؟
ولا يكون الجواب إلا:
هو الخالق الحيّ
القيّوم، الأزليّ الأبديّ، صاحب الوجود الذاتي، الذي لا يفنى ولا يزول.
فالحياة نفسها تصبح
شهادة، والوجود نفسه يصبح دليلًا. فكون الإنسان وُجد، ثم مات، ثم بُعث، هو شهادة على
أن وراء هذا كله إلهًا حيًّا قيّومًا، قائمًا بذاته، خالقًا لكل شيء.
لكن عندما يعجز
الإنسان عن هذا الفهم الصحيح للحياة والروح، ويقع في التخمين، تظهر أولى الضلالات
الكبرى في تاريخ البشر، وهي:
وهم تناسخ الأرواح،
أي الاعتقاد بأن
الروح تعود في أجساد أخرى، وتدور في سلسلة لا نهاية لها من الحيوات، بدل الإيمان
بالموت، ثم البعث، ثم الحساب، ثم لقاء الخالق سبحانه وتعالى.
وهذا أول انحراف كبير
نشأ من الجهل بحقيقة الروح، ومن غياب الحق الذي أنزله الله لهداية الإنسان.
كل من يؤمن بعقيدة
تناسخ الأرواح والعودة المتكرّرة إلى الدنيا إنما هو في الحقيقة إنسان لم يقبل
الحقائق الست للإيمان قبولًا صحيحًا. لأن الإيمان بالله تعالى يقتضي الإيمان
بوجوده الحقيقي، وبأن له ذاتًا قائمة بذاتها، لا تشبهها الذوات، ولا يماثلها شيء
من المخلوقات. والإيمان باليوم الآخر يقتضي الإيمان بأن لكل مخلوق بداية ونهاية،
وأن كل ما في الوجود فانٍ، ولا يبقى على الإطلاق إلا ذات الله سبحانه وتعالى،
الحيّ القيّوم الذي لا يموت ولا يفنى.
والإيمان بالملائكة
يدل على أن الله هو الخالق الوحيد الحقيقي، الموجود الحقّ، المتفرّد في الوجود،
غير المحدود بأي إطار من أطر المخلوقات أو قوانينها. والإيمان بالكتب السماوية
يقتضي الإيمان بأن كلام الله مقدّس، وأنه وحده مصدر الهداية الحقّة، وأنه سبحانه
هو الكامل المطلق، المنزَّه عن كل نقص، غير الخاضع لأي تكليف، لأن التكليف إنما
يكون للمخلوق لا للخالق.
والإيمان بالرسل
يرسّخ في القلب حقيقة أن الله سبحانه واحد لا شريك له، وأنه هو الذي وضع نظام
الثواب والعقاب للخلق، بينما هو سبحانه منزَّه عن أن يخضع لقانون السبب والنتيجة،
فهو الفاعل المختار الذي لا يُسأل عمّا يفعل.
أما الإيمان بالقدر،
فيعني الإيمان بأن الله هو الذي خلق الخير والشر، والنفع والضرّ، والنعمة
والابتلاء، وأنه سبحانه غنيٌّ بذاته، غير محتاج إلى شيء، ولا تحكمه رغبة ولا نقص
ولا حاجة.
فمن آمن بهذه الأصول
الستة إيمانًا صحيحًا، استحال عليه أن يؤمن بعقيدة تناسخ الأرواح؛ لأن من آمن بأن
للخالق ذاتًا أزلية أبدية قائمة بذاتها، وأن كل ما سواه مخلوق فانٍ يُبعث بعد موته
للحساب، لا يمكن أن يعتقد أن الأرواح تدور في سلسلة لا نهائية من الحيوات. فالإيمان
بالبعث والنشور يناقض التناسخ من أساسه.
والصنف الثاني من
أصحاب الأوهام هم الذين آتاهم الله كتابًا سماويًا، وقبلوا ببعض الرسل، ولكنهم لم
يلتزموا بالكتاب التزامًا كاملًا، ولم يُخضعوا نفوسهم لأحكامه، بل جعلوا أهواءهم
حاكمة على النصوص. فما وافق أهواءهم قبلوه، وما خالفها حرّفوه أو بدّلوه أو أولوه
على غير مراد الله. فيقول أحدهم: هذا الحكم لا يعجبني فأغيّره، وذاك الأمر لا
يناسب رغباتي فأخفّفه، وهذا التشريع ألتزم به جزئيًا، وذاك أتركه كليًا.
وبهذا يصبح الإنسان
تابعًا لشهواته لا لكتاب الله، ويجعل من نفسه مشرّعًا، بدل أن يكون عبدًا منقادًا
لله. وعندما يفسّر الإنسان أوامر الله ونواهيه وفق رغباته، سواء في شؤون الطعام أو
في شؤون الغريزة الجنسية أو في غيرها من مجالات الحياة، فإنه لا يمكن أن يصل إلى
الكمال الذي أراده الله لعباده.
وحين يعتاد الإنسان
تحريف أحكام الله في الدنيا بحسب هواه، فإنه سينسحب بهذا الأسلوب نفسه على تصوّره
لعالم الآخرة، فيبدأ بتشكيل صورة خيالية عن الحساب والعقاب والجزاء، توافق ما
يريده لنفسه، لا ما أخبر الله به في كتابه.
ولهذا ضرب الله مثلًا
واضحًا في سورة البقرة، الآية (80)، حين قال عن طائفة من أهل الكتاب:
﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا
النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾
أي قالوا إن النار لن
تمسّهم إلا أيامًا قليلة معدودة، ثم يخرجون منها، وكأن لهم عند الله ضمانًا خاصًا
أو امتيازًا ذاتيًا.
بصورة عامة، فإن هذا
الصنف من الناس لم يقبل الدين الذي ارتضاه الله لعباده قبولًا كاملًا، وهو دين
الإسلام، الدين الذي اختاره ربّ العالمين، ومالك الملك، ورضيه للبشرية طريقًا
للهداية. فالمؤمن الحقيقي بالآخرة، الذي يوقن بوجود الصراط، وبالمحاسبة على
الأعمال، وبالجزاء العادل من الله، لا بد أن يكون شديد الحرص على أعماله، فرديةً
كانت أو اجتماعية.
فمن آمن حقًا بالجزاء
الإلهي، وبأن الله سيحاسب عباده على كل صغيرة وكبيرة، فإنه يحرص على أن تكون
أفعاله كلها منضبطة بمعايير الحلال والحرام، والحق والباطل. فيحرص على صلاح نفسه،
وعلى صلاح علاقته بالناس، وعلى صلاح علاقته بالمخلوقات جميعًا. وأقل ما يكون، فإنه
يؤمن بأن الحساب واقع لا محالة، وأن الميزان قائم، وأن الصراط منصوب فوق جهنم، وأن
الصحف ستُعطى، فمن أُعطي كتابه بيمينه فقد فاز فوزًا عظيمًا.
فمن كان هذا إيمانه،
كيف يمكن أن يعيش في وهمٍ أو خيال؟ وكيف يمكن أن يعتقد أنه لن يمسّه عذاب النار
إلا أيامًا معدودة؟ بل إن المؤمن الصادق، لو خاف من لحظة واحدة في النار، أو من
ثانية واحدة من العذاب، لكان ذلك كافيًا ليجعله يرتعد خوفًا، ويضاعف حرصه على الطاعة
والعمل الصالح. ولذلك فإن من صدق إيمانه بالإسلام وبالآخرة، لا يحمل أي خيال أو
وهم حول مصير الإنسان بعد الموت، بل يكون يقينه راسخًا، وخوفه حقيقيًا، ورجاؤه
مبنيًا على العمل.
فهذه الأوهام حول
عالم الغيب لا تنشأ إلا عند من لم يلتزم بالإسلام التزامًا كاملًا في العبادة
والعمل والسلوك. وعندما يدخل الخيال إلى تصور الإنسان لعالم الآخرة، فهذا دليل على
أنه في الحقيقة لا يؤمن إيمانًا كاملًا بأن الله تعالى هو صاحب السلطان المطلق،
وصاحب الإرادة الحرة المطلقة، وصاحب الحكم النهائي في يوم الجزاء، الذي لا يُردّ
أمره ولا يُعارَض قضاؤه.
ومن وقع في هذه
الأوهام، فإن صفات الطهارة الروحية التي أودعها الله في روح الإنسان لا تظهر فيه.
لأن الروح في حقيقتها خُلقت لتعرف ربها، وتُقِرّ بحاكميته المطلقة، وتخضع لأمره
خضوعًا كاملًا. وكيف يتحقق هذا الخضوع؟ يتحقق عندما يقبل الإنسان وحي الله قبولًا
صادقًا، ويجعل من أوامر الله ونواهيه منهج حياة، فيُنفّذ إرادته، ويُظهر شريعته،
ويعمل على هداية الناس إلى الطريق المستقيم، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،
ويدعو إلى السعي للآخرة.
فمثل هذا الإنسان
يشهد شهادة حقيقية بأن ربّ الملك والجزاء والسلطان المطلق حقٌّ لا ريب فيه. ومع
هذا الشهود الصادق لا يبقى مجال للخيال ولا للوهم.
وفي هذه الحالة تتحقق
الطمأنينة الكاملة:
فالنفس البشرية
تُشبَع لأنها تسير على طريق لا حساب فيه ولا ظلم ولا تناقض،
والروح تُشبَع لأنها
تؤدي وظيفتها الأساسية، وهي أن تكون شاهدًا على وحدانية الله، وعلى قدسيته
المطلقة، وعلى حريته المطلقة في الأمر والإرادة.
وعندما يتجلّى هذا
الإنسان بصفاته الروحية الطاهرة، يصبح في ذاته آيةً من آيات الله:
آيةً على أن كلام
الله حق،
وأن أوامره نافذة،
وأن إرادته مطلقة،
وأن سلطانه لا
يُقاوَم.
فهو بعمله يصبح
شاهدًا حيًّا على أن لله ذاتًا مقدّسةً مطلقة، وأن له مشيئةً لا تُقيد، وأن له
حكمًا لا يُردّ، وأنه هو وحده ربّ يوم الجزاء، الذي إليه المصير، وعنده تنتهي كل
الأوهام، وتسقط كل الخيالات.
وهذا من أوضح صور
الوهم والخيال في شأن عالم الغيب. فقد بنوا تصوّرهم عن الآخرة لا على الوحي، بل
على رغباتهم وأمانيهم، فصار إيمانهم خليطًا من حق وباطل، ومن نصوص إلهية وأهواء
بشرية.
فهذا النوع من الخيال
لا ينشأ من إنكار الكتاب أصلًا، بل من تحريف معانيه، وعدم الخضوع الكامل لأحكامه،
واتخاذ النفس والهوى مرجعًا بدل الوحي.
وبالطبع فإن الإنسان
إذا خضع لميول نفسه البشرية ولم يعبد الله وفق الدين الذي أنزله، فإن روحه
المقدّسة لا تستطيع أن تتجلّى بوصفها آية من آيات الله، فيقع في الشِّرك بقدسية
الله الخاصة به. أي إنه يتخيّل في شأن روح الله ما لا يليق بها، ويقع في الوهم حول
ما يملكه الله من قداسة وكمال.
وهذا الوهم يتجلّى في
صورتين، لأن في الروح سرّ الحياة:
الصورة الأولى: شرك
أهل الكتاب حين جعلوا من إحدى آيات الله، وهي عُزير عليه السلام، الذي شهد أن الله
يميت ويحيي، فجعلوه ابنًا لله. فجعلوا آيةً من آيات الله دليلًا على قدرة الله على
الإحياء والإماتة شريكًا لله في ذاته.
والصورة الثانية: حين
جعلوا من آية أخرى من آيات الله، وهي عيسى عليه السلام، الذي كان آيةً على صفة
الطهارة والقداسة الإلهية، إذ شهد أن الله يهب الإنسان حالة من طمأنينة النفس،
ويحفظ إنسانيته من الانحراف، فلا يأمره إلا بالخير ولا يوجّهه إلا إلى الطاعة،
فجعلوه أيضًا ابنًا لله. فجعلوا صفةً من صفات القداسة الإلهية، التي ظهرت آيةً في
عيسى عليه السلام، شريكًا لله في ذاته.
وهذا كلّه ناتج عن أن
أهل الكتاب لم يعبدوا الله عبادةً كاملة خالصة، فلم تبلغ أرواحهم درجة الطهارة
التي تؤهّلهم لتلقّي وحي الله، ولا ليكونوا أدوات هداية للناس، يدعونهم إلى الخير
وينهونهم عن الشر. فلما عجزوا عن بلوغ هذه المرتبة الروحية، لجؤوا إلى تأليه
الآيات، فجعلوا آيات الله شركاء له. وهذه هي الصورة الثانية من صور الخيال والوهم
التي نشأت لعدم قبول حقيقة عبادة الله وفق الإسلام.
والآن ننتقل إلى
الصورة الثالثة من صور الخيال:
وهي حال من قَبِل
حقيقة الإيمان الصحيح، وعرف أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، لكنه لم
يُطبّقه تطبيقًا جادًّا كاملًا، بل اتّصف بالتقصير والتهاون والإهمال، فلم يبلغ
مرتبة الإحسان التي يذوق فيها معنى معية الله ونصرته.
فمن بلغ مرتبة
الإحسان، وشهد حقيقة: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، فإن
هذا الإنسان يطلب من الله الجزاء الحسن وهو على يقين بلقاء الله، ويؤمن بأن كل عمل
صالح يقرّبه من ربه، ويجعله سلّمًا للارتقاء الروحي، وهديةً يتقرّب بها إلى لقاء
الله. ولذلك يسارع إلى الخيرات، ويجتهد في الطاعات، ويكثر من الفرائض والنوافل،
ويستمر على ذلك حتى يحبه الله ويرضى عنه.
فإذا أحبّه الله ورضي
عنه، صار الله معه في نصرته وتأييده، فيرى بعين اليقين أن معنى: «أن تعبد الله
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» حقٌّ ثابتٌ مشهود، لا مجرّد مفهوم نظري.
ومثل هذا ما ظهر على
أيدي الأنبياء والمرسلين وأولياء الله من خوارق العادات، فهي شواهد حيّة على معية
الله لهم. ومع ذلك فهم لا يغيّرون القدَر، لأن الله وحده هو خالق القدر، وهو غير
خاضع له، وهو وحده الذي يضع سننه ويغيّرها متى شاء. فالحرية المطلقة في التصريف
والإرادة إنما هي لله وحده.
فالأنبياء والأولياء
شهدوا بهذه الحقيقة، وشهدوا أن الله هو وحده المتصرّف في الكون، وأنه لا شريك له
في ذاته ولا في أفعاله ولا في حكمه. ولذلك لم يكن عندهم أي وهم أو خيال في شأن
عالم الخلق، ولا في شأن كون الله ذا ذاتٍ حقيقيةٍ قائمةٍ بنفسها، ولا في شأن
الحقيقة العظمى بأن أهل الإيمان سيرون ربهم في الآخرة.
فهؤلاء بلغوا مقام
اليقين، وانتفى عنهم كل خيال ووهم، لأنهم شهدوا الحقائق بنور التجربة الإيمانية
الصادقة، فصار إيمانهم علمًا وذوقًا وشهودًا، لا مجرّد تصديقٍ نظري.
إن من وقع في الخيال
والوهْم إنما يعجز عن الجمع بين المحكم والمتشابه في كلام الله، فلا يستطيع أن
يفهم نصوص الوحي فهمًا متكاملًا. فإما أن يقتصر على المحكمات وحدها ويجعلها
الميزان الوحيد في الفهم، أو ينشغل بالمتشابهات انشغالًا مفرطًا، فيغوص في دقائقها
وغوامضها، فيقع بسبب ذلك في الاختلاف والتنازع والفرقة.
فلماذا لم تقع هذه
الخلافات بين أنبياء الله ورسله وأوليائه؟
لأنهم كانوا على
يقينٍ بلقاء الله، وموقنين بالآخرة، ومشغولين بعبادته، يسعون إلى رضاه بأداء
الفرائض، ويتقرّبون إليه بالنوافل، ويجتهدون في طاعته، ويدعون الناس إلى ذلك.
ولهذا لم يكونوا منشغلين بالجدل في الكيفيات، ولا بالخوض في ماهية ذات الله ولا في
حقيقة وجهه سبحانه: أهو يُفهم على معنى الذات؟ أم يُفهم على معنى أن الله يمكّن
عباده من رؤيته في الآخرة؟
فالله سبحانه وتعالى
هو الباقي وحده، وكل ما سواه فانٍ، وهو الذي قال:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا
وَجْهَهُ﴾،
وهو القائل:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
فهل من اللائق أن
يُغرق الإنسان نفسه في البحث في هذه الغيوب الدقيقة، التي هي من أعمق المتشابهات،
وهو يعلم أن حقيقتها لا تُدرك بالعقول؟
إن الله أخبرنا أنه سيبعثنا
في الآخرة، وسيمكّن المؤمنين من رؤيته، وهذه حقيقة ثابتة بنصوص الوحي، وهي من
الغيب الذي نؤمن به إيمانًا جازمًا. كما أخبرنا عن نعيم الجنة الذي:
«ما لا عينٌ رأت، ولا
أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
فإذا كان نعيم الجنة
نفسه فوق إدراك عقولنا، فكيف بذات الله سبحانه وتعالى وجلال وجهه الكريم؟ إن
الإغراق في محاولة إدراك هذه الحقائق الغيبية إدراكًا تفصيليًا بالعقل، يقود
الإنسان من حيث لا يشعر إلى الخيال والوهم.
لقد أخبرنا نبينا
محمد ﷺ عن الجنة والنار، وعن الملائكة، وعن عالم الجن، وعن عذاب القبر، وعن البعث
والحساب، وعن الساعة وأشراطها، وكل ذلك ليغرس في قلوبنا الإيمان بالغيب، وليثبت في
نفوسنا العقيدة الصحيحة. والغاية من الإيمان بالغيب هي أن نصل إلى الإيمان الحق
بالله، وأن نتيقّن بوجوده وذاته وكماله وجلاله.
ثم إن رسالة النبي ﷺ
لم تكن أن ندخل في جدل فلسفي حول ذات الله وكيفية صفاته، بل كانت أن نعبده، وأن
نأخذ بما أنزل الله من الدين الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام، وأن نسعى إلى تحقيق
مقام الإحسان، بأن نعبده كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا، وأن نُكثر من
الطاعات، ونُداوم على الأعمال الصالحة طلبًا لرضاه.
فإذا رضي الله عن
عبدٍ من عباده، فإن هذا العبد يذوق في الدنيا طعم معية الله ونصرته وتأييده، فيشهد
بقلبه أن الله معه، وأنه يوفّقه ويسدّده ويعينه. ومن ذاق هذه المعية في الدنيا،
كان إيمانه بلقاء الله في الآخرة إيمانًا يقينيًا لا شك فيه.
ولهذا كان الأنبياء
والأولياء مشغولين بهداية الناس، وبالدعوة إلى عبادة الله، وبالعمل الصالح، ولم
يكونوا منشغلين بإثارة الجدل حول: كيف يكون وجه الله؟ وما حقيقة ذاته؟ لأنهم كانوا
يعلمون أن هذه الأمور من الغيب الذي نؤمن به كما جاء، دون خوضٍ في الكيفيات، ودون
تكلفٍ ولا جدل.
فمن اشتغل بالخوض في
ذات الله، وفي كيفية رؤيته في الآخرة، وفي تفاصيل المتشابهات، دون أن يكون له نصيب
وافر من العبادة والعمل الصالح والإخلاص، فإنه يقع في الخيال والوهم، وتكون هذه
المباحث سببًا في الخلاف والفرقة بدل أن تكون سببًا في الهداية والطمأنينة.
أما المنهج الصحيح
فهو أن نؤمن بما أخبر الله به ورسوله ﷺ، إيمانًا جازمًا بلا تشبيه ولا تمثيل ولا
تعطيل، وأن ننشغل بما خُلقنا له:
أن نعبد الله،
وأن نؤمن بالآخرة،
وأن نسير على أصول
الإيمان الصحيح،
وأن نلتزم بدين
الإسلام،
وأن نسعى إلى مقام
الإحسان في عبادتنا وسلوكنا.
فبهذا تتحقق لنا النجاة
والفلاح، وبهذا نسلم من الخيال والوهم، وبهذا نسير على الطريق الذي بلّغه لنا
نبينا محمد ﷺ، وهو الطريق الذي يفضي إلى رضا الله، وإلى الفوز العظيم في الدنيا
والآخرة.
وفي الختام، إن كان
في هذا الكلام تقصير، أو خطأ في التعبير، أو زلل في البيان، نسأل الله العلي
العظيم أن يغفر لنا، ونرجو من الإخوة والأخوات العذر والصفح.
والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.
تعليقات
إرسال تعليق