(37) سورة البقرة – إدراكُ غيرِ الأحياء في القرآن والسُّنّة: دلائل التسبيح والخشية والطاعة
(37) سورة البقرة – إدراكُ
غيرِ الأحياء في القرآن والسُّنّة: دلائل التسبيح والخشية والطاعة
المقدمة :
الحمد لله ربّ العالمين، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونصلّي ونسلّم
على نبينا الخاتم محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ فإن من أعظم ما يوقظ
القلب ويُصحّح نظرة الإنسان إلى الكون أن يدرك أن هذا الوجود ليس عالمًا صامتًا
جامدًا كما يتخيّله كثير من الناس، بل هو عالمٌ يضجّ بالتسبيح والخضوع لأمر الله
تعالى، وإن كانت حواسّنا لا تُحيط بذلك ولا تُدركه. فالقرآن الكريم يفتح أمام
المؤمن بابًا واسعًا لفهم حقيقة المخلوقات، ويعلّمه أن التسبيح لا يختصّ بالأحياء
وحدهم، بل إن كل شيء في السماوات والأرض يسبّح بحمد ربّه، غير أنّ الإنسان قد
يُحجب عن فقه هذا التسبيح.
ومن هنا يأتي موضوع
درسنا: وهو موضوع يرتبط مباشرةً بتعظيم الله تعالى،
وبإحياء معنى المراقبة والخشية في القلب. فإذا كان الحجر والجبال والريح والماء
والنار، بل والسماوات والأرض، خاضعةً لأمر الله، منفّذةً لمشيئته، مسبّحةً له، فإن
الإنسان الذي كرّمه الله بالعقل والروح أولى بالانقياد والطاعة والعبادة الخالصة.
وإن إدراك هذه الحقيقة يزرع في النفس شعورًا عميقًا بأن الكون كلّه في عبادةٍ لله،
وأن المؤمن ليس وحده في طريق الذكر والطاعة، بل هو يسير مع موكبٍ عظيم من مخلوقات
الله التي لا تعصي له أمرًا، فيزداد يقينًا، ويقوى ارتباطه بربّه، ويستقيم سلوكه،
ويُقبل على العبادة بمحبةٍ وخضوعٍ وشعورٍ بقدسية هذا العالم الذي يعيش فيه.
نحمد الله العليّ العظيم، ونُكثِر من الصلاة والسلام على نبينا الخاتم
محمد ﷺ، ونسأل الله أن يرضى عن جميع الصحابة الكرام.
موضوع حديثنا اليوم هو: إدراكُ غيرِ الأحياء في
القرآن والسُّنّة .
والمقصود بغير الأحياء هو كل ما لا حياة له. وهذا أمر يسهل على الناس
إدراكه؛ فكل ما تلتقطه حواسّنا من بصر وسمع وسائر الحواس، ولا يُعدّ حيًّا،
يُصنَّف ضمن غير الأحياء. وتشمل هذه الموجودات: الرياح، والنار، والماء، والتراب،
والكهرباء، والمجالات المغناطيسية، وسائر الأجرام السماوية. وغالبًا ما يظن الناس
أن هذه الأشياء لا إدراك لها ولا شعور، بل إن بعض الفلاسفة المسلمين ذهبوا إلى هذا
الرأي أيضًا.
فعند تفسيرهم لقوله تعالى في سورة البقرة، الآية (74)، حيث ضرب الله مثلًا
بالحجارة في وصف حال بعض الناس، قال تعالى:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن
بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ
الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا
يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ
خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
ذهب بعض الفلاسفة المسلمين في تفسير هذه الآية إلى إنكار كون الحجارة
موصوفة بالخَشية، واعتبروا ذلك مجازًا بلاغيًا وتشبيهًا إنسانيًا. غير أن هذا
الرأي لم يلقَ قبولًا عند جمهور العلماء، إذ إن غالب أهل العلم يرون أن هذه
الموجودات غير الحيّة تمتلك نوعًا من الإدراك والشعور، وقد استدلّوا على ذلك بنصوص
صريحة من القرآن الكريم.
ونحن هنا سنستعرض بعض هذه الأدلة القرآنية؛ لأن إدراك هذه الحقيقة أمر في
غاية الأهمية. فعندما نعلم أن كل ما في الوجود له إدراك، ويشتمل على عبادة لله،
وتسبيحٍ له، وخشيةٍ منه، فإن الإنسان – وقد منحه الله حياةً ظاهرة وروحًا مميّزة –
يكون أَوْلى بالتكليف والمسؤولية في أن يسبّح ربّه، ويعرفه، ويعبده وحده دون أن
يُشرك به شيئًا.
ومن الآيات التي تدل على أن غير الأحياء
تمتلك إدراكًا وتعبد الله، ما جاء في سورة فُصِّلَت، حيث قال الله تعالى ما معناه:
إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فخلق الأرض في يومين، وقدّر فيها
أقواتها وبارك فيها في يومين، وكانت السماء حينئذٍ دخانًا، فقال لها وللأرض: ائتيا
طوعًا أو كرهًا. فقالتا: أتينا طائعين.
ثم قال سبحانه في الآية التي تليها: إنه قضى خلق سبع سماوات في يومين،
وأوحى في كل سماء أمرها، وزيّن السماء الدنيا بالمصابيح وحفظها، وذلك تقدير العزيز
العليم.
فهاتان الآيتان واضحتان في الدلالة على أن السماوات والأرض، وما فيهما من
مخلوقات، تمتلك إدراكًا وروحانيةً خاصة؛ إذ إن السماوات والأرض أجابتا خطاب الله،
وفهمتا أمره، وقالتا: أتينا طائعين. وهذا يدلّ دلالةً صريحة على أنها خاضعة لأمر
الله، عابدة له، خاشعة، مسبّحة، منفّذة لما أمرها به ربّها. وهذه الآيات في بيان
ذلك في غاية الوضوح ولا تحتمل اللبس.
إن السماوات والأرض تدرك خطاب ربّها، وتفهم ما
يوجَّه إليها، وهي قادرة على الاستجابة له، كما أن الله سبحانه وتعالى عليم
بإجابتها. أما نحن البشر، فمع أننا لا نسمع ذلك ولا ندركه بحواسّنا ولا نستطيع
الإحاطة به، فإن هذا الأمر حقٌّ ثابت لا شك فيه.
وقد بيّن ربّنا سبحانه وتعالى ذلك في سورة الإسراء، الآية (44)، حيث قال
تعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ
السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا
غَفُورًا﴾
ومن هذه الآية نعلم أن عدم إدراكنا لتسبيح الموجودات لا يعني أنها لا
تتكلّم أو أنها لا تمتلك إدراكًا. فالله سبحانه وتعالى يعلم تسبيحها، لأن الغاية
من خلق هذه الموجودات غير الحيّة هي أن تسبّحه وتمجّده وتُنزّهه.
وفي سورة الأحزاب، الآية (72)، يقول الله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا
الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ۖ وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ
ظَلُومًا جَهُولًا﴾
فهذه الآية تدلّ بوضوح على أن السماوات والأرض والجبال كانت تعلم معنى
الأمانة والتكليف، وتدرك ثقل المسؤولية المترتّبة عليها، ولذلك امتنعت عن حملها
خوفًا من عدم القدرة على أداء حقّها. أما الإنسان، فبسبب ما فيه من شهوات ورغبات،
قد يُقدِم على تحمّل ما لا يُحسن عاقبته. وبمجرّد قبوله لهذه الأمانة، أصبح
مكلّفًا بالإيمان بالله وعبادته، وما يترتّب على ذلك من مسؤولية ومحاسبة. ومن هنا
نفهم أن السماوات والأرض والجبال تمتلك إدراكًا، وتعلم عظمة عبادة الله وخطورة
التفريط فيها.
وقد خُصّت الجبال في القرآن الكريم بذكرٍ واضح يدلّ على ما لها من إدراك
وخشية، ففي سورة الحشر، الآية (21)، يقول الله تعالى:
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا
الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ
اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ﴾
فلو نزل القرآن على جبل، لرأيناه خاشعًا متصدّعًا من خشية الله، لما يحمله
القرآن من تسبيح لله، وبيان لصفاته العظيمة، وذكر لنِعَمه في الدنيا والآخرة،
وأوامره ونواهيه، وشرحه لعوالم الوجود المادي والروحي والغيب. ولِما يتضمّنه من
دلائل على قدرة الله وحكمته، فإن الجبل – لو خُوطب بهذا القرآن – لتأثّر وتأدّب
وخضع وتصدّع.
كما جاء في سورة ص وسورة سبأ ذكر تسبيح الجبال. ففي سورة ص، الآية (18)،
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ
مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾
أي إن الله سبحانه وتعالى سخّر الجبال لتُسبّح معه، أي مع نبيّه داود عليه
السلام، في الصباح والمساء، وهذا دليل صريح على أن الجبال تمتلك إدراكًا وتسبيحًا
وخشيةً لله تعالى.
وفي سورة سبأ، الآية (10)، يقول ربّنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ
مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ
الْحَدِيدَ﴾
تبيّن هذه الآية أن الجبال كانت تسبّح مع نبيّ الله داود عليه السلام، كما
كانت الطير تسبّح معه، وهذا دليل واضح على أن الجبال تمتلك إدراكًا وشعورًا
وروحانية، وأنها تشارك في تسبيح الله وتمجيده.
ثم في الآية (12) من السورة نفسها، يذكر الله سبحانه وتعالى أن الريح كانت
مسخَّرة لسليمان عليه السلام، خاضعة لأمره، فيقول تعالى:
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ
غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾
أي أن الريح كانت تسير بأمر سليمان مسيرة شهر في الصباح، ومسيرة شهر في
المساء.
وفي سورة الأنبياء، الآية (81)، يقول الله تعالى:
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ
عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ
وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾
فهذه الآيات تدلّ على أن الريح كانت خاضعة لأمر الله، ثم جُعلت آية ومعجزة
على يد نبيّ الله سليمان عليه السلام، ليهدي بها الناس إلى الطريق المستقيم. سواء
كان المخلوق إنسانًا أو من غير ذوي الحياة الظاهرة، فإن الجميع ينفّذ أمر الله ولا
يعصيه. ومن هنا، فإن الإنسان الذي مُنح العقل والروح أولى بالامتثال لأمر الله،
وأن يسخّر ما أُوتي من قوة وسلطة في سبيل الله، كما فعل سليمان عليه السلام، دون
ظلم أو طغيان، وبذل ذلك في هداية الخلق.
وفي سورة هود، الآية (44)، نجد دلالة واضحة على أن الماء والسحاب كذلك
لهما إدراك ويخضعان للأمر الإلهي. وذلك في سياق الحديث عن الطوفان الذي أهلك الله به
المكذّبين من قوم نوح عليه السلام، ونجّى نوحًا ومن معه في السفينة، حيث يقول
تعالى:
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي
مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي ۖ وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
وهذا يدلّ بوضوح على أن الأرض والسماء والماء كلها مخلوقات مأمورة، تستجيب
لأمر الله، وتقوم بالمهام التي أُنيطت بها، وأنها خاضعة لإرادته، مما يؤكد أنها
ليست مجرد عناصر جامدة، بل مخلوقات لها إدراك لأمر ربّها.
وفي سورة الأنبياء كذلك، نجد دلالة على أن النار أيضًا لها إدراك وتخضع
للأمر الإلهي. فعندما همّ المشركون بإحراق نبيّ الله إبراهيم عليه السلام، أنجاه
الله بمعجزة ظاهرة. قال تعالى في الآيتين
(68–69):
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ
وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي
بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾
فالنار هنا استجابت لأمر الله، وفهمت خطابه، فتحوّلت إلى برد وسلام على
إبراهيم عليه السلام. وكان في ذلك آية ظاهرة على عظيم قدرة الله، ورحمة منه بعبده،
ودليلًا على أن هذه النار خاضعة لأمر الله، منفّذة لإرادته، تسبّحه وتطيعه.
ومن هذا كلّه نتعلّم أن النار، كما سائر المخلوقات غير الحيّة في نظر
البشر، هي مخلوقات ذات إدراك، تنفّذ أمر الله، وتسبّحه، وأن من أعرض عن هذه
الحقائق ولم يقبل الهداية فهو من الخاسرين.
والآن ننتقل إلى التعرّف على الجلد وأعضاء الجسد. فبحسب الفهم الظاهري،
كيف يمكن لهذه الأشياء أن تتكلّم؟ إذ إن الكلام ـ في نظر الناس ـ لا يخرج إلا من
الفم. غير أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أن هذه الأعضاء ستتكلّم، وأنها ستشهد على
أعمال الإنسان من خير وشر.
ففي سورة يس، الآية (65)، يقول الله تعالى:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ
أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ﴾
ومن هذه الآية نعلم أن هذا الجسد المادي للإنسان، بما يحتويه من خلايا،
وأحماض أمينية، وفيتامينات، ومعادن، كلّها ستتكلّم وتشهد على أفعال الإنسان. وهذا
يدلّ على أن المسؤولية لا تقع على اللسان وحده، بل إن الجسد كله، وأعضاءه جميعًا،
خاضعة للمساءلة.
وفي سورة فصّلت، وردت أربع آيات تناولت شهادة السمع والبصر والجلد ببيانٍ
واضحٍ ومتكامل، قال الله تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاؤُوهَا
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ﴾
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ
شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ
أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ
وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾
﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ
الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾
فهذه الآيات تذكّرنا بوضوح بأن الجلد، والسمع، والبصر، جميعها ستشهد على
الإنسان، وأنها ستتكلّم يوم القيامة.
والآن نذكر بعض الأحاديث النبوية التي تبيّن أن غير الأحياء ـ في نظر
البشر ـ لهم إدراك وشعور. فقد ورد في صحيح البخاري أن النبي محمد ﷺ قال:
هذا جبلٌ يحبّنا ونحبّه
والمقصود بذلك جبل أُحد. وهذا يدلّ على أن الجبال لها مشاعر وإحساس، وأن
لها إدراكًا، إذ وصف النبي ﷺ هذا الجبل بصفة المحبّة. وهذا يبيّن أن هذه الموجودات
غير الحيّة تحبّ أولياء الله، وتحبّ عباد الله الصالحين، ولذلك فإن الإكثار من
العمل الصالح يجعل حتى مخلوقات الطبيعة تحبّ الإنسان.
وفي صحيح مسلم، ورد أن النبي ﷺ قال:
إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن
كما ورد في مسند الإمام أحمد، أن النبي ﷺ قال في وصف ذلك الحجر:
يوم القيامة، ليشهدنّ لمن استلمه بحق
والمقصود بذلك الحجر الأسود في المسجد الحرام، وهو حجر نيزكي.
ومن هذين الحديثين نتعلّم أن النبي محمدًا ﷺ عبدٌ مصطفى مبارك من الله، قد
نال بركات الدنيا والآخرة. وأن من اتّبع طريقه، فإن هذه الموجودات غير الحيّة
ستشهد له، وتحبّه، وترجو له الخير، مما يدلّ على أن جميع المخلوقات لها إدراك
وروحانية، وتسبّح الله سبحانه وتعالى.
وفي صحيح البخاري نقرأ أيضًا أن جذع النخلة بكى. فقد كان ذلك الجذع في الأصل عمودًا مصنوعًا من جذع نخلة داخل المسجد، وكان
نبينا محمد ﷺ إذا خطب الناس يستند إليه. فلما صُنع له منبر، صار يخطب عليه، ولم
يعد يستند إلى ذلك الجذع، فبدأ الجذع يبكي بكاءً شديدًا. فقام نبينا محمد ﷺ
واحتضنه وضمّه إليه، فهدأ وسكن.
ومن هذا نتعلّم أن أشياء لا نعدّها حيّة ـ فالنخلة فيها حياة، لكن الجذع
الذي صُنع منه العمود كيف يكون حيًّا؟ ـ ومع ذلك كان له إحساس حقيقي ومشاعر صادقة.
فهذا الجذع تأثّر بذلك الإنسان الكريم الذي كان يعلّم الناس طريق الهداية، فكان له
شعور ومحبة، وأحبّ نبينا محمد ﷺ.
وهذه الوقائع كلّها تخبرنا بأن علينا أن نعمل الصالحات؛ لأن الموجودات
الطبيعية كلّها، عندما نطيع الله ونمتثل لأمره ونعبده ونعمل الخير، فإن هذه
المخلوقات التي نظنّها بلا حياة، هي في الحقيقة ذات روحانية وإدراك، وتحبّ عباد
الله الصالحين الذين يعبدون الله ويحبّونه ويعملون الخير.
فإذا عبد إنسانٌ أو جماعةٌ اللهَ، وعملوا الصالحات، فإن عالم الموجودات
غير الحيّة ـ فضلًا عن الكائنات الحيّة التي يظهر فيها ذلك بوضوح أكبر ـ كلّها
تحمل صفة تسبيح الله. ولذلك، إذا عمل الإنسان الصالحات وعبد الله، فإن هذه
المخلوقات الطبيعية لا تؤذيه، بل تكون ودودة معه، لأن لها مشاعر تجاه الإنسان
الصالح.
وقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض، وسجود الملائكة للإنسان دليل على أن
سائر المخلوقات أولى بأن تكون ودودة لمن يعمل الصالحات. ومن الآيات والأحاديث نتعلّم
أن هذه المخلوقات كلّها تسبّح الله، وتخشاه، وتخافه. فالإنسان الذي يعمل الصالحات،
وينال خير الدنيا والآخرة، ويظهر فيه وصف العبودية والعمل الصالح، تكون هذه
المخلوقات قريبةً منه ومحبّةً له.
أما إذا أفسد الإنسان في الأرض، ولم يعمل الصالحات، واستكبر أمام الله،
فلم ينصر الحق بل نصر الباطل وصدّ عن سبيل الحق، كما ذُكر في سورة العنكبوت في شأن
قارون وفرعون وهامان، فإن الله بعد ذكرهم يقول في الآية الأربعين إنه عاقبهم. فمثل
هؤلاء يعاقبهم الله بعواصف تحمل الحجارة، أو بصيحات مدمّرة، أو بالخسف في الأرض،
أو بالغرق في الماء. فحين لا يعبد الإنسان الله ولا يعمل الصالحات، فإن هذه
الظواهر الطبيعية غير الحيّة، الخاضعة لأمر الله، تصبح شديدة على الإنسان، ولا
تكون ودودة له، بل تؤذيه بأمر الله.
ومن السنّة النبوية نتعلّم أيضًا أن الله جعل من علامات الساعة أن تشرق
الشمس من مغربها. فالشمس في العادة تشرق من المشرق وتغرب في المغرب، فإذا أمرها
الله أن تشرق من المغرب، فإن باب التوبة يُغلق، ولا تُقبل توبة أحد بعد ذلك. وهذا
يدلّ على أن الشمس أيضًا خاضعة لأمر الله.
ونحن نعلم أن الله جعل شروق الشمس من المشرق وغروبها في المغرب رحمةً
بالناس، ليستعينوا بالنهار على طلب الرزق، وبالليل على الراحة. فإذا لم يعبد الناس
ربّهم، وأمر الله الشمس أن تشرق من المغرب، فقد حان وقت القيامة، ولا يعود للإنسان
مجال للعمل الصالح. وهذا شاهد على أن جميع المخلوقات، حتى الشمس التي لا نعدّها
حيّة، تطيع أمر الله، ولذلك إذا لم يعمل الإنسان الصالحات، فإن هذه المخلوقات لا
تكون صديقةً له، بل تكون عليه.
وقبل حلول الأجل العظيم، أي قبل قيام الساعة، فإن هذه الموجودات غير
الحيّة ستتكلّم. ففي سنن الترمذي، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن
رسول الله ﷺ قال:
إذا جاءت الساعة تكلّم السباعُ الإنسَ، وتكلّم الجماداتُ الناسَ .
وفي الصحيحين، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
(لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ
اليهودي وراء الحجر أو الشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا
يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغَرْقَد فإنه من شجر اليهود )
فهذه من علامات الساعة التي تسبقها، حيث تتكلّم الموجودات التي لا تتكلّم
في الدنيا، وهي غير حيّة في الظاهر، فتظهر ناطقةً، وهذا دليل واضح على أنها ذات
إدراك وروحانية. ولذلك يجب علينا أن نؤمن بذلك إيمانًا جازمًا.
ونحن في حياتنا المعاصرة نشاهد نماذج تقرّب لنا هذا المعنى؛ فالتلفاز،
وأجهزة التسجيل، والمذياع، يمكنها أن تسجّل صوت الإنسان وتعيده، فكأن هذه الآلات
تتكلّم، وهذا في حدّ ذاته آية من الآيات.
وننتقل الآن إلى ما يتعلّق بعالم الغيب، بل وبما بعد يوم القيامة، من
شهادة الأجساد والمخلوقات التي لا تتكلّم في الدنيا. ففي سورة الزلزلة جاء
البيان الواضح عن يوم البعث، حيث تخبر الأرض بأخبارها:
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ
زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا
لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
فالأرض تتلقّى وحيًا من ربها، وإذا كانت تتلقّى الوحي فهذا دليل على أنها
ذات إدراك وشعور، وأنها خاضعة لأمر الله، مطيعة له، وتشهد على أعمال البشر. وبذلك
يتبيّن أن الأرض ستخبر يوم القيامة بكل ما وقع عليها من أفعال الإنسان.
كما نتعلّم من السنة أن الجنة والنار تتكلّمان وتتحاوران. ففي صحيح البخاري، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
(احتجّت الجنة والنار، فقالت النار: أُوثِرتُ بالمتكبّرين والمتجبّرين،
وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ فقال الله للجنة: أنت
رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذّب بك من أشاء من
عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها )
فتمتلئ النار حتى يضع الله فيها قدمه فتقول: قط قط، أي حسبي حسبي، وتمتلئ،
ولا يظلم الله أحدًا، ويخلق للجنة خلقًا آخرين.
وفي الصحيحين أيضًا، روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
(من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار
بالله من النار ثلاث مرات، قالت النار: اللهم أجره من النار)
وهذا الحديث يدلّ على أن الجنة والنار تسمعان كلام العباد، وتفهمانه،
وتدعيان لهم، مما يثبت أن لهما إدراكًا وشعورًا.
ونختم موضوعنا بحديث عظيم يتعلّق بآية الكرسي، حيث ورد في السنة أن آية
الكرسي تسبّح الله. ونحن نعلم أن آيات القرآن مكوّنة من حروف وكلمات، ونحن نعتقد أن تلاوتنا
للقرآن، وتدبّرنا له، والعمل به، هو تسبيح وتعظيم لله. لكن هذا الحديث يعلّمنا أن
نفس الآيات المكتوبة، المكوّنة من حروف، تسبّح الله أيضًا، فلا ينبغي أن نظن أن
هذه الحروف بلا إدراك، بل هي تحمل في ذاتها تسبيحًا لله، ومن ذلك آية الكرسي.
فقد ورد في مسند أحمد، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، أن
النبي ﷺ سأل أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه:
(أي آية في كتاب الله أعظم؟ )
فقال: (الله ورسوله أعلم)
فكرّر عليه السؤال، فقال أُبيّ:(آية الكرسي)
فقال رسول الله ﷺ: «ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده، إن لها
لسانًا وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش .
فهذا يدلّ على أن آية الكرسي، وهي مؤلّفة من حروف وكلمات، لها لسان وشفتان
تسبّح الله عند عرش الرحمن. وإذا كانت هذه الآية تسبّح الله، فإن وجود القرآن في
بيوتنا، أو حمله معنا، سبب للبركة بإذن الله.
وهذا أمر يمكن للعقل السليم أن يستوعبه. فعندما نتعلّم أن الموجودات غير
الحيّة تمتلك إدراكًا وروحانية، فإن ذلك يقودنا إلى اليقين بأن جميع المخلوقات هي
خلق الله، وهي في عبادة وتسبيح له. فإذا كان الإنسان ـ وهو أشرف المخلوقات ـ
غافلًا عن تسبيح الله وعبادته، فإن عذاب الآخرة يكون نتيجة تفريطه وظلمه لنفسه،
وليس ظلمًا من الله، بل هو الخسران بعينه.
عندما نُدرك ونوقن بأن هذه الموجودات غير الحيّة تمتلك إدراكًا وشعورًا،
وأنها ترفع أصواتها بالحمد والتسبيح للخالق سبحانه وتعالى، فإن الإنسان ـ وهو جزء
من هذا الكون ـ ينبغي له أن يشاركها هذا التسبيح، وأن ينفّذ أوامر الله، ويعبده
وحده دون أن يشرك به شيئًا. ولما كان الإنسان مكوَّنًا في أصل خلقته من هذه
العناصر غير الحيّة؛ من ريح ونار وماء وتراب، فإن عليه أن يكون في حالة انسجام
وتناسق معها، فيسبّح الله معها جميعًا، فيتحقق له مقام الكرامة، ويغدو مركزًا
جامعًا لهذه المخلوقات. وبهذا يُظهر الإنسان صفات الكرامة التي أودعها الله فيه،
ولا يُضيّع النعمة العظيمة التي منحه الله إياها من روح شريفة، ومن جسد مكوَّن من
عناصر الكون غير الحيّة.
وعندما نؤمن إيمانًا جازمًا بأن جميع هذه الموجودات غير الحيّة ذات إدراك،
وهي تسبّح ربّ العالمين، فإن نظرتنا إلى الكون تتغيّر. فعندما نتأمّل خلق الله من
حولنا، أو نمشي في طريقٍ أو نتنزّه، وننظر إلى ما يحيط بنا من مظاهر الخلق، ونلهج
بالتسبيح والحمد، نُدرك حينها أننا نشارك الكون كلّه في تسبيح الله. والوصول إلى
هذا اليقين وهذه الحالة الوجدانية الجميلة هو نعمة عظيمة في حدّ ذاته، ومرتبة
رفيعة من مراتب الإيمان، يذوق فيها الإنسان لذّة القرب من الله، ويعيش سعادة
داخلية وجمالًا روحيًا خاصًا.
فمن بلغ هذه المرتبة، وآمن بأن جميع المخلوقات تسبّح الله وتمجّده، عاش في
سكينة وسعادة، وتحوّل إيمانه إلى متعة روحية وجمالٍ داخلي. وهذه الحالة بحدّ ذاتها
من أعظم نعم الله على عباده.
نسأل الله أن يهدينا، وأن يبارك لنا، وأن يجعلنا من الذاكرين له آناء
الليل وأطراف النهار، المسبّحين له، الحامدين لنِعَمه.
وبهذا نختم حديثنا اليوم، فإن كان في البيان تقصير، أو في العبارة خطأ،
نسأل الله العلي العظيم أن يغفر لنا، ونرجو من الإخوة والأخوات المعذرة والصفح.
تعليقات
إرسال تعليق