(36) سورة البقرة   -  شمولية القرآن الكريم دليل على صدق رسالة النبي ﷺ (مكانة النبي الخاتم)

 

المقدّمة :

الحمد لله ربّ العالمين، نحمده سبحانه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ونستعينه ونستغفره، ونصلّي ونسلّم على نبينا الخاتم محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد؛ فإن من أعظم ما يتجلّى به صدق رسالة النبي ﷺ وعظمة مكانته عند ربّه، أن يكون الكتاب الذي أُنزل عليه كتابًا جامعًا شاملًا، يخاطب الإنسان في كل زمان ومكان، ويهديه في شؤون عقيدته وعبادته وأخلاقه ومعاملاته، ويكشف له من سنن الله في الخلق، ومن دلائل الغيب والآخرة، ما يوقظ الفطرة ويقيم الحجة ويُثبت الحق. ومن هنا يأتي درسنا اليوم ليعرّفنا بمعنى شمولية القرآن الكريم وكيف تُعدّ هذه الشمولية برهانًا واضحًا على أن محمدًا ﷺ رسولٌ مُرسلٌ لهداية البشرية جمعاء، لا لنطاقٍ محدود ولا لمرحلة تاريخية بعينها.

إن الإنسان بطبيعته يتأرجح بين مطالب الدنيا وأسئلتها، وبين حاجات الروح وتطلعها إلى الخلود، وقد تُضلّه الشهوات أو تحجبه العادات أو تُقيّده تصورات ناقصة عن حقيقة النفس والروح. وفي خضمّ هذا التفاوت بين الناس، يأتي القرآن الكريم خطابًا متوازنًا يبيّن طريق الإيمان، ويكشف جذور الانحراف، ويضع للإنسان معايير الحق والباطل، ويعرض نماذج الأنبياء والرسل، ويجمع بين التشريع والتزكية، وبين العلم والهدى، وبين الرحمة العامة في الدنيا والرحمة الخاصة في الآخرة. ومن خلال هذا الاتساع العجيب في المعاني والمقاصد، ندرك أن هذا الكتاب ليس صناعة بشر، ولا يمكن أن يصدر عن أميٍّ لم يقرأ ولم يكتب، وإنما هو وحيٌ من الله العزيز الحكيم، آيةٌ خالدة تشهد بصدق النبي الخاتم ﷺ، وبأنه رحمة للعالمين، وهادٍ إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

نحمد الله العليّ العظيم حمدًا كثيرًا، ونصلّي ونسلّم على نبينا الخاتم محمد ﷺ صلاةً وسلامًا متواصلين، ونسأل الله أن يرضى عن جميع الصحابة الكرام.

موضوع حديثنا اليوم هو: التعرّف على شمولية القرآن الكريم، ومن خلال هذه الشمولية نفهم أن نبينا محمدًا ﷺ هو الرسول الذي بعثه الله لهداية البشرية جمعاء.

ينقسم الناس إلى قسمين: مؤمنين وكافرين. فالمؤمنون هم الذين يشهدون أن الله هو الإله الواحد المستحق للعبادة، الذي لا شريك له، وهم الذين حافظوا على الفطرة الإنسانية السليمة. أما الكافرون فيشملون الماديين، والمشركين، ومن أهل الكتاب من انحرفوا ووقعوا في الشرك بالله.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم صنفًا من الناس يتساءلون: هل إذا صرنا عظامًا ورفاتًا نُبعث من جديد؟ وهؤلاء هم في حقيقتهم المنكرون لوجود الله والبعث. ويتميّز هذا الصنف من الناس بأنهم يركّزون تركيزًا كبيرًا على مفهوم النَّسب والسلالة، فهم لا يؤمنون بالآخرة، لكنهم يؤمنون بأن الحياة تستمر من خلال الدم والنَّسب، ويرون أن الصفات الحسنة، والفضائل، والخبرات، والحكمة المتراكمة، بل وحتى الحضارة الإنسانية، يمكن أن تنتقل من جيل إلى جيل.

كما أنهم لا يؤمنون بالروح، لكنهم يؤمنون بأن الذكر الحسن، والمكانة، والسمعة، والأعمال التي تُخلّد اسم الإنسان، يمكن أن تجعله باقياً في الذاكرة عبر الأجيال، ولذلك يسعون إلى ما يعتقدون أنه خلود دنيوي.

وهذا في حدّ ذاته نعمة من نعم الله على الإنسان؛ فحتى المؤمن عندما يعمل الصالحات، فإنه يرجو أن يُنتفع بعمله من بعده، وأن يقتدي به من يأتي بعده، فيزداد أجره بذلك. وهذا من أبواب زيادة الحسنات، لأن الإنسان لا يملك البقاء في الدنيا إلى يوم القيامة كما هو حال الملائكة، بل تنتهي حياته، وتستمر آثاره من خلال ما خلّفه من خير.

ولهذا نجد أن الناس بطبيعتهم يعتنون بالقرابة والروابط الأسرية والاجتماعية، ويهتمون بالإنسانية، ويسعون إلى ترك أثر حسن في الأخلاق، والفضائل، والتجارب، والمعرفة، ليُذكروا بها بعد رحيلهم. وقد تناول القرآن الكريم هذا المعنى، فدعا إلى مراعاة الإنسان لأخيه الإنسان، وإلى العمل الصالح الذي يُنتفع به بعد الموت، ليكون سببًا في زيادة الأجر، ونيل نعيم الآخرة، ودخول الجنة، ونيل شرف لقاء الله.

لكن الإنسان الذي يُلبّي حاجات فطرته الحقيقية، إذا تعلّم القرآن الكريم وتدبّره، فإنه سيكتشف أن هذه الهدايات القرآنية أكمل وأشمل. وسيشعر في أعماق قلبه أن توقه الحقيقي إلى الخلود الأبدي قد استيقظ من جديد.

فالله سبحانه وتعالى أودع في روح الإنسان حياةً تطلب البقاء الأبدي، غير أن الانشغال بمتطلبات الدنيا، والسعي وراء لذّاتها ومنافعها، قد يحجب هذا التوق الفطري. فالإنسان الذي يسعى إلى أن يُخلَّد اسمه عبر النسب، أو من خلال الأعمال التي يتركها لمن بعده، إذا ما قرأ القرآن الكريم قراءة وعي وتدبّر، سيدرك أن ما يدعو إليه هذا الكتاب هو الغاية الحقيقية التي يتطلع إليها قلبه.

وحينها تستيقظ الفطرة الروحية (الفطرة) في الإنسان، فيدرك أن له ربًا واحدًا مستحقًا للعبادة. فإذا استيقظت هذه الفطرة، شهد الإنسان أن ما يخبره به القرآن عن الخلود الحقيقي والنعيم الأبدي هو الحق، وأن هذا هو المصير الذي خُلق لأجله.

ويتحدّث القرآن الكريم كذلك عن المشركين، سواء الذين كانوا قبل نبيّ الله إبراهيم عليه السلام أو من جاءوا بعده، وصولًا إلى زمن نبينا محمد ﷺ. فمن المشركين من كانوا يؤمنون بوجود الله، أي بوجود خالق للكون، كما يمكن التعلّم من ذلك في سورة الزخرف. ومنهم من لا يؤمن بوجود خالق أصلًا، بل يعتقد بـ تناسخ الأرواح ودورة الحياة المتكرّرة.

وعلى اختلاف صور الشرك، فإن المشترك بينهم هو عدم إدراكهم الكامل لحقيقة الروح الإنسانية. فبعضهم لا يتجاوز في فهمه للروح ذلك الجانب المتصل بالنفس البشرية، دون أن يصل إلى الفهم الحقيقي للـ روح (الروح التي نفخها الله في الإنسان). ولهذا نجد أن من السمات العامة للمشركين أنهم يؤمنون بجانب من الروح مرتبط بالطبيعة الإنسانية فقط.

ومن هنا تظهر بين المشركين ظواهر معيّنة؛ إذ يلجأ بعضهم إلى الزهد الشديد والرياضات القاسية بقصد كبح شهوات النفس. فمنهم من يقيّد شهواته المادية، فيمتنع عن أنواع كثيرة من الطعام، بل وصل الأمر عند بعضهم إلى الامتناع عن كل ما له صلة بالحيوان. ومنهم من يبالغ في كبح الشهوة الجنسية، فيختار الرهبنة والعزوبة المطلقة. ومنهم من يسعى إلى كبح المشاعر الإنسانية المرتبطة بالعاطفة، والسلطة، والمكانة، والسمعة، فيدعو إلى الانعزال والتجرّد، وعدم السعي إلى إشباع هذه الجوانب الإنسانية، بقصد إخضاع النفس وكبحها.

وهذا الكبح لشهوات النفس يهدف عندهم إلى الوصول إلى حالة من سكون النفس البشرية (النفس). وقد ينجح بعضهم في ذلك، فيحقق حالة من الزهد والانقطاع، بل وقد يشهد حالات يظن فيها أن روح الحياة تنفصل عن الجسد، وهم يعتبرون ذلك دليلًا على معرفتهم بالروح.

غير أن الاكتفاء بالكبح وحده للوصول إلى معرفة الروح لا يحقق الإشباع الكامل للإنسان، لأن النفس البشرية تبقى غير مُشبَعة. فالله سبحانه خلق الإنسان، ونفخ فيه من روحه، وباتحاد هذه الروح مع الجسد صار الإنسان قادرًا على بلوغ حالة تتحقق فيها حاجات النفس الإنسانية، وفي الوقت نفسه تتحقق حاجات الروح.

فالإنسان، بما أودع الله فيه من روح، يمكنه أن ينال هداية الله، أي أن يسلك طريقًا متوازنًا يتيح له السعي إلى الرحمة العامة التي تُشبع حاجاته الإنسانية في الدنيا، وفي الوقت نفسه السعي إلى الرحمة الخاصة التي تتحقق في الآخرة، حيث تُشبَع النفس وتُشبَع الروح معًا. فالروح، بما تحمله من نفخة إلهية، تطلب في حقيقتها لقاء الله.

ومن هنا، فإن أي مشرك إذا ما تواصل تواصلًا حقيقيًا مع القرآن الكريم، وتعرّف عليه معرفة صادقة، فسيدرك أن هذا الكتاب هو الأكثر توافقًا مع الفطرة الإنسانية؛ إذ لا يطلب من الإنسان أن يتخلّى عن نعيم الدنيا المشروع ولا عن الرحمة العامة، بل يفتح له باب تحصيلها والانتفاع بها، وفي الوقت نفسه يرشده إلى إشباع الروح وارتقائها، وإثبات حقيقتها ونيل كمالها.

فالإنسان، بفضل نعمة الروح التي وهبه الله إياها، يستطيع أن يُشبِع حاجاته الإنسانية، وأن يجعل من هذه الحاجات نفسها وسيلةً للعمل الصالح. فإذا ضبط شهواته، ثم عمل الصالحات، ارتقت روحه وسمت، وبلغت حالة من الشهود والاطمئنان والاكتمال.

وعندما يدرس المشرك القرآن الكريم، يكتشف أن فيه عبادات مفروضة يأمر الله بها، وعبادات نافلة، وأعمالًا فردية إضافية تُسهم في ارتقاء الروح. وفي الوقت نفسه، يعلّم القرآن الإنسان كيف يرقى بروحه، دون أن ينعزل عن طلب الرزق، أو عن التعامل مع الناس، أو عن التفاعل مع خلق الله سبحانه وتعالى، بل يدعوه إلى السعي في الأرض، والتعامل مع الخلق، ونيل الرحمة العامة من الله، بحيث تُشبَع الحاجات الإنسانية الطبيعية ولا تُهمَل.

ولهذا، فإن أي مشرك إذا كان فهمه للروح مقتصرًا على ذلك الجانب المتصل بالنفس الإنسانية فقط، ولم يصل إلى الفهم الشامل لحقيقة الروح (الروح التي نفخها الله في الإنسان)، فإنه يقع في التخمين والظن، ويعتقد أن هذه الحياة قائمة على تناسخ الأرواح، ويبقى حبيس مستوى منخفض من الفهم الروحي، عاجزًا عن بلوغ مرتبة الروح الطاهرة السامية التي منحها الله للإنسان. فالروح الحقيقية هي التي تنال هداية الله، وتُمكّن الإنسان من الجمع بين إشباع حاجاته الإنسانية، والسعي في النهاية إلى لقاء الله.

والمشرك الذي يطلب بصدق معرفة حقيقة الروح، إذا قرأ القرآن الكريم قراءة تدبّر، فلا بد أن يقوده ذلك إلى الهداية، إلا إذا كان في قلبه انحراف أو هوى يمنعه من قبول الحق.

والقرآن الكريم، بوصفه كتابًا إلهيًا، هو كلام الله، وقد تضمّن الحديث عن الكتب السماوية السابقة، وما حوته من نعم وهداية، مثل التوراة التي أُنزلت على موسى عليه السلام، والزبور، والإنجيل الذي أُنزل على عيسى عليه السلام. وقد منح الله جميع الأنبياء الذين أُنزلت عليهم هذه الكتب نعمًا عظيمة، وأيّدهم بالمعجزات، لتكون دليلًا لقومهم على أن ما جاؤوا به هو هداية من ربّ العالمين، الإله الواحد المستحق للعبادة، ودعوة للناس إلى طلب خير الدنيا والآخرة.

وقد ركّزت التوراة على دعوة أتباعها إلى السعي لنيل خيري الدنيا والآخرة، وذلك بوضع معايير واضحة للحلال والحرام، وللخير والشر، والنهي عن الظلم، وعدم اتباع أهل الفساد، مثل النهي عن اتباع فرعون، مع التأكيد على ضرورة الالتزام الصارم بالشريعة التي جاء بها موسى عليه السلام، بما فيها من أوامر ونواهٍ وأحكام.

وفي القرآن الكريم، لا يقتصر الأمر على بيان الأحكام والتشريعات، بل يتناول كذلك تفصيل المعجزات التي أيّد الله بها موسى عليه السلام. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف عرف نبينا محمد ﷺ هذه التفاصيل، وهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب، ولم يطّلع على التوراة، ولم يتلقَّ تعليمًا دينيًا أو كهنوتيًا؟

فالقرآن يذكر بدقة كيف أنعم الله على بني إسرائيل، كتفجير اثنتي عشرة عينًا من الحجر، ليعرف كل سبطٍ مورد شربه، وإنزال المنّ والسلوى عليهم، وذكر تفاصيل أخرى من نعم الله عليهم. وهذه التفاصيل الدقيقة لا يمكن لرجلٍ كان تاجرًا، مشغولًا بشؤون الحياة، أن يجمعها، أو يسمعها من غيره، ثم يصوغها بهذه الدقة، ويربط بينها وبين الأحكام والتشريعات ربطًا محكمًا.

فنبينا محمد ﷺ لم يكن قد درس أنظمة دينية سابقة، ولا تلقّى تعليمًا في مؤسسات دينية أو كهنوتية، ولم يتلقَّ معارف تشريعية تمكّنه من الجمع بين القصص التاريخية والأحكام الدينية بهذا الإحكام. وهذا كلّه دليل واضح على أن ما جاء به ليس من عند البشر، بل هو وحي من عند الله سبحانه وتعالى.

إن القرآن الكريم لم يقتصر على عرض قصة نبيّ الله موسى عليه السلام عرضًا كاملًا ومتكاملًا، بل تناول كذلك قصص سائر الأنبياء والرسل، وبيّن النِّعم التي أنعم الله بها عليهم، كما جمع في الوقت نفسه بين التشريعات العقدية والشرائع العملية التي تقوم على معرفة الله وتوحيده. أي أن الآيات القرآنية لا تقتصر على تعليم العقيدة فقط، بل تُعلّم الإنسان كيف يعرف ربَّه، وكيف يتأمّل في عالم الخلق، وفي سنن الله في الكون.

كما أن هذه الآيات تكشف في طيّاتها عن القوانين الإلهية والتشريعات العامة التي وضعها الله للإنسان. فمثلًا، في سورة البقرة عند ذكر قصة البقرة، لم يكن النبي محمد ﷺ حاضرًا عند وقوع تلك الأحداث، ومع ذلك لم تُروَ القصة لمجرد سرد تاريخي، بل لتُستخلص منها العقيدة، وتُستنبط منها الأحكام الشرعية.

ولهذا، فإن أي شخص من أهل التوراة، إذا اطّلع ولو قليلًا على القرآن الكريم، سيدرك أن هذا النبي الأمي لم يكن قادرًا بقدرات بشرية على الجمع، في قصة واحدة، بين بيان التوحيد، والتعريف بعالم الخلق، وشرح سنن الله وقدَره، وبيان منهج العبادة، وأحكام الشريعة العملية. ولو كان رجلًا أديبًا، أو فيلسوفًا، أو عالمًا في أحد المجالات، لربما استطاع الإبداع في جانب واحد، لكنه لم يكن كذلك؛ بل كان تاجرًا أميًّا، ومع ذلك جاء بكتاب شامل جامع.

وقد كان اليهود في ذلك الزمن يصفون العرب بأنهم قوم همج لا علم لهم، فكيف لرجلٍ من قومٍ وُصِفوا بالجهل، لا يقرأ ولا يكتب، أن يأتي بكتاب بهذه القوة في الحجة، وبهذا الاتساع في المعاني؟ إن هذا لا يُفسَّر إلا بأن الله اصطفاه واختاره نبيًّا، فأتمّ به الحجة. فالله سبحانه غير مقيّد بالسنن التي يتوهّمها البشر، فإذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، ومن شاء أن يمنحه هذه النعمة فقد نالها. وكانت أعظم نعمة أُعطيت لنبيّنا الخاتم ﷺ أن جعله الله رحمةً للعالمين، وآية قائمة على صدق الرسالة.

كما أن القرآن الكريم قد تضمّن أسرارًا علمية وأدبية عظيمة. فالكتاب الذي أُنزل على داود عليه السلام، وهو الزبور، قد تُرجم في بعض اللغات باسم المزامير أو الترانيم، لما يحمله من تسبيحٍ وثناءٍ على الله بأسلوبٍ أدبيّ رفيع. وقد خصّ الله داود عليه السلام بقدرة عالية في البلاغة والبيان، وبلغت مكانته الأدبية مستوى رفيعًا. وكان داود في أصل مهنته حدّادًا يصنع الدروع، ومع ذلك آتاه الله الحكمة والكتاب.

وفي زمن ابنه سليمان عليه السلام، أُعطي من النعم ما مكّنه من تسخير الجن، فكانوا يصنعون له القدور العظيمة، والأحواض، والنوافير، والزجاج، والمباني، وهي أمور يعجز كثير من البشر حتى اليوم عن تحقيق مثلها، فيقف المتأخرون أمامها مشدوهين.

وقد ذكر القرآن الكريم كذلك أن سليمان سمع كلام النملة، ولم يكن البشر يعلمون آنذاك أن للنمل نظام تواصل، حتى جاء العلم الحديث فأثبت أن النمل يتواصل فيما بينه، فكان ذلك شاهدًا علميًا على صدق القرآن، ودليلًا على إعجازه.

كما أن الزبور تضمّن تسبيح داود عليه السلام مع الجبال والطير، وهو ما يدل على وجود نِعَمٍ قدَرية عظيمة في هذا الكون. وكذلك فإن القرآن الكريم كشف عن أسرار العالم المادي، فكلما توصّل العلماء إلى اكتشافٍ جديد، وجدوا أن القرآن قد أشار إليه من قبل. وأما من الناحية الأدبية، فإن كل من عرف اللغة العربية، في أي عصر، لم يستطع أن يأتي بنصٍّ يضاهي القرآن الكريم أو يتحدّاه في بلاغته وبيانه.

وهذا كلّه شاهد على أن القرآن الكريم معجزة خالدة، تجمع بين العقيدة، والتشريع، والعلم، والأدب، والهداية، والرحمة، وتدل دلالة قاطعة على صدق رسالة النبي محمد ﷺ.

نحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أنعم على داود عليه السلام وعلى ابنه سليمان بالحكمة، ولا سيما أن فهم سليمان كان بالغ العمق والتميّز، إذ كان يتمتع بقدرة عالية على إدراك المعاني الرمزية وفهم الدلالات الخفية بسهولة ويُسر. كما نعلم أن القرآن الكريم يشتمل على عدد كبير من الأمثال والتشبيهات والتنبيهات التي يضربها الله للناس، ليقرّب لهم المعاني ويهديهم إلى الحق.

ومن خلال هذه الأمثال، يوجّه القرآن الإنسان إلى كيفية تنمية العقل، ويهديه إلى التفكير المنطقي، والتفكير التجريدي، والتفكير التأملي، بحيث يبلغ الإنسان درجة من النضج العقلي والذهني. وبعبارة أخرى، فإن تعلّم القرآن يجعل تفكير الإنسان أكثر مرونةً وكمالًا.

غير أن هناك من يقرأ القرآن ويتدبّره، ثم لا يرى أثرًا ظاهرًا في زيادة حكمته أو في نضج عقله، بل قد يُلاحظ ما تعانيه بعض المجتمعات العربية المعاصرة من ضعف وتأخر، فيتساءل: لماذا لا يظهر أثر هذه الحكمة؟ والجواب أن مجرد التلاوة والتدبّر لا يكفيان؛ بل لا بد من العمل بالقرآن، واستخلاص العبرة منه، والسير على هديه. فعندما يعمل الإنسان بالقرآن وينقاد له، ترتقي روحه، وتظهر خصائص الطهارة في الروح التي نفخها الله فيه، وعندئذٍ يفيض الله عليه من الهداية، ويكلّمه ويوجهه، كما علّم الله آدم عليه السلام الأسماء كلها بعد أن نفخ فيه من روحه، فصار قادرًا على طلب الرزق والنفع.

فإذا لم تكن حالة الروح طاهرة، لم يكن الإنسان مؤهلًا لتلقي الإلهام الإلهي، ولا لنيل الهداية الخاصة، وبالتالي لا يظهر كمال العقل ولا نضج الحكمة.

وقد كان الصحابة والتابعون، ولا سيما الجيل الأول من أصحاب النبي محمد ﷺ، مثالًا واضحًا على ذلك. فقد كان قليل منهم يعرف القراءة والكتابة، وقليل منهم يمتلك ثقافة أدبية، ومع ذلك بلغوا درجة عالية من الحكمة، وتمكّنوا في زمن وجيز من إقامة دولة إسلامية قوية، وإدارة شؤونها إدارة متقنة. وكذلك من جاء بعدهم ممن التزم بالقرآن الكريم؛ فقد نال الدولة العباسية نصيبًا وافرًا من حكمة القرآن، لأنهم التزموا به وعملوا بتوجيهاته، فأنعم الله عليهم بالحكمة، وكانت هذه من بركات القرآن. فمن قرأ القرآن وعمل به، هداه الله، وطهّر روحه، ثم أمدّه بالحكمة والإلهام.

كما أن القرآن الكريم تحدّث عن الإنجيل الذي أُنزل على عيسى عليه السلام، وخصّص سورة كاملة لذكر آل عمران، كما أفرد سورة أخرى لذكر سيدة نساء العالمين مريم عليها السلام، وسمّاها باسمها، وكل ذلك من باب بيان نعم الله التي أنعم بها على الأمم السابقة.

وقد عرض القرآن الكريم هذه النعم عرضًا شاملًا، فذكر قصة امرأة عمران التي نذرت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس طلبًا لرضا الله، ورغبت أن تكون ابنتها آية في سبيل الله، وكيف حفظت مريم عليها السلام طهارتها وعبادتها في المحراب. كما ذكر كيف بشّر الله زكريا ومريم بواسطة الملائكة، وكلّموهم، وهذه أمور من عالم الغيب.

فمن الذي أخبر النبي محمد ﷺ بهذه الغيوب؟ لقد جاء القرآن ببيان كامل لقصة آل عمران بأدق تفاصيلها. وعندما هاجر بعض أتباع النبي ﷺ إلى الحبشة، وتلوا على ملكها النجاشي آياتٍ من سورة مريم، بكى ذلك العبد الصالح الذي كان من أهل الكتاب، لتأثره بذكر الله، ولإيمانه بالغيب، ولإيمانه بأن الله قد نفخ في الإنسان من روحه، فأيقن أن ما جاء به النبي الخاتم حق.

ولأن الإنجيل أُنزل على عيسى عليه السلام الذي وُصف بأنه روح من الله، فقد تضمّن معاني كثيرة تتعلق بسكينة النفس، وطهارة الروح، ووصف الملائكة، وأحوال الآخرة من الجنة والنار، وهي من الأمور الغيبية. وقد أشار القرآن الكريم في سورة آل عمران إلى وجود آيات متشابهات، كما ذكر أمورًا غيبية مثل العرش والكرسي، وهي من شؤون الملكوت الأعلى، وكذلك ذكر الجنة والنار وما أُعدّ فيهما.

وهذا كلّه يدلّ على شمولية القرآن الكريم، وعلى أنه كتاب هداية شامل، يجمع بين العقل والروح، وبين الدنيا والآخرة، ويشهد بصدق رسالة النبي محمد ﷺ.

ويتحدّث القرآن الكريم كذلك عن علامات الساعة وما يتصل بها من الآيات الغيبية، مثل الحديث عن دابّة الأرض، فنفهم من ذلك أن الأمور الغيبية التي ورد ذكرها في الإنجيل قد عالجها القرآن الكريم معالجة شاملة ومتكاملة، فبيّنها من جميع الجوانب. ومن نعم القرآن أيضًا أنه يرشدنا إلى الطريق الذي يُحيي حالة سكينة النفس، ويوقظ تلك الخصيصة الطاهرة التي تختص بها الروح (الروح التي نفخها الله في الإنسان)، فتتجلّى الصفات الروحية السامية للإنسان.

وهذا ما نراه في حال عيسى عليه السلام، إذ وُصف بأنه روح، لما بلغه من حالة سكينة النفس، وما ناله من وحي الله وكلامه، فصار داعية إلى الخير، وقائدًا في الأرض، وخليفةً يُصلح ولا يُفسد. فحين تبلغ النفس حالة الطمأنينة، تظهر خصائص الروح، وحين تتجلّى طهارة الروح، يُخاطب الله هذا الإنسان؛ إما وحيًا مباشرًا، أو من وراء حجاب، أو بواسطة ملَكٍ كريم يُبلّغ الرسالة. وعندئذٍ فقط يكون للملائكة اتصال بهذا الإنسان.

ومن نال هذه المنزلة، فإنه يدرك ويشهد حقائق الغيب، ويختبر تلك الأسرار الكامنة في أعماق الإنسان، فيتيقّن من حقيقتها. والإنسان الذي تحقّقت فيه طهارة الروح يكون مؤهلًا لأن يكون خليفةً في الأرض، ومرشدًا لغيره إلى الطريق المستقيم، وداعيًا إلى الزهد في الدنيا طلبًا للثواب الأبدي في الآخرة، جامعًا بين سعادة النفس الإنسانية، ومطلب الروح في لقاء الله.

ولهذا عرض القرآن الكريم نماذج متعددة منذ آدم عليه السلام، أول البشر وأول الرسل، وكيف حافظ على صفاء الروح، ثم بادر إلى التوبة الصادقة بعد الوقوع في المخالفة. كما عرض نماذج الأنبياء الذين علّموا الناس كيفية كبح الشهوات، مثل يوسف عليه السلام، حيث خُصِّصت له سورة كاملة في القرآن الكريم تبيّن كيف ضبط رغبات النفس، واجتنب المعصية، واختار أن يكون من المتقين، وأن يقابل الإساءة بالإحسان.

وكذلك بيّن القرآن كيف يكون الإنسان صابرًا في الجوانب المادية والروحية معًا، حتى تبلغ النفس تمام الطمأنينة، كما في قصة أيوب عليه السلام، الذي صار مثالًا في الصبر والثبات.

وخلاصة القول: إن عيسى عليه السلام كان في مرحلة ما يوجّه الناس إلى كيفية إحياء خصائص الروح الطاهرة، لينالوا هداية الله، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وذلك قبل رفعه. ثم إذا نزل في آخر الزمان، فإنه سيكون تابعًا لشريعة محمد ﷺ، ليكون عبدًا من عباد الله، وخليفةً في الأرض على منهاج النبوة.

فمن الذي جمع هؤلاء الذين بلغوا مقام طهارة الروح، والقدرة على هداية الناس، في شهادة جماعية على أن الله هو البرّ المحسن، وأن كل عمل صالح يقوم به العباد إنما هو آية من آياته؟ إنه النبي الخاتم محمد ﷺ، الذي خُصَّ بنعمة عظيمة، إذ أنزل الله عليه سورة الفاتحة، وجعلها ركنًا لا تصح الصلاة إلا بتلاوتها، ليقود بها جميع الأنبياء والمرسلين الذين ذكرهم القرآن، وعددهم خمسة وعشرون نبيًا، وغيرهم ممن لم تُذكر أسماؤهم، في الصلاة ليلة الإسراء والمعراج، فكان إمام الأنبياء، وقائد القادة.

وهذا هو جانب من شمولية القرآن الكريم التي حاولنا بيانها بإيجاز. وما بقي إلا أن نحمد الله تعالى ونثني عليه، ونُكثِر من الصلاة والسلام على نبينا الخاتم محمد ﷺ.

وبهذا نختم حديثنا اليوم، فإن كان في البيان نقص أو تقصير، أو زلل في العبارة، نسأل الله العلي العظيم أن يغفر لنا، ونرجو من الإخوة والأخوات العذر والصفح.
وجزاكم الله خيرًا، وشكرًا لحسن المتابعة.

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلتي من الصين الى الاسلام

دروس سورة الفاتحه (4) "رَبِّ الْعَالَمِينَ" — سر العوالم وشهادة الخلق بوحدانية الله

دروس سورة الفاتحه (1) الاستعاذة بالله – درع المؤمن ضد الوسوسة والانحراف