(35) سورة البقرة - أسرار الحروف المقطَّعة في القرآن الكريم دلالاتها الإيمانية وآفاقها التربوية
المقدمة :
يتميّز القرآن الكريم بخصائص فريدة جعلته معجزة خالدة إلى قيام الساعة،
ومن أبرز هذه الخصائص افتتاح عدد من سوره بما يُعرف بـ الحروف المقطَّعة، وهي حروف
عربية مفردة تأتي في مطالع السور، كقوله تعالى: ﴿الم﴾، ﴿الر﴾، ﴿حم﴾، وغيرها. وقد
أثارت هذه الحروف اهتمام العلماء والمفسّرين منذ صدر الإسلام، لما تحمله من عمق دلالي
وإشارات إيمانية، ولما تفتح أمام القارئ باب التفكّر في حكمة الله تعالى وكمال
علمه.
إن الحروف المقطَّعة ليست مجرد رموز لغوية، بل هي آيات قائمة بذاتها،
اختارها الله سبحانه بحكمة ليُذكّر الإنسان بأن هذا القرآن، المؤلَّف من الحروف
نفسها التي ينطق بها البشر، هو كلام إلهي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله. فهي في
الوقت ذاته تحدٍّ بلاغي، وإعجاز لغوي، ودعوة للتدبّر والخشوع أمام عظمة الوحي.
وقد اتفق جمهور العلماء على أن المعنى الحقيقي لهذه الحروف على وجه القطع
لا يعلمه إلا الله سبحانه، وأن موقف المؤمن منها هو التسليم والإيمان، كما قال
تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. غير أن هذا لا يمنع من التأمل
في إشاراتها العامة، وما تحمله من معانٍ تربوية وإيمانية، خاصة عند ربطها بقواعد
التلاوة، وبمقاصد القرآن في تزكية النفس، وضبط اللسان، وإحياء الروح، وتحقيق
العبودية الخالصة لله تعالى.
ومن هذا المنطلق، يهدف هذا الدرس إلى تقديم تحليل موجز للحروف المقطَّعة،
مع التركيز على بعض الحروف الواردة في مطالع السور، وبيان ما يمكن أن يستفيده
المؤمن منها في سلوكه وعبادته، ليكون القرآن ليس كتاب تلاوة فحسب، بل كتاب هداية
وتزكية وشهود، تتحوّل فيه الحروف إلى آيات، ويتحوّل فيه الإنسان إلى شاهدٍ على
عظمة الله وحكمته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإخوة والأخوات في المجموعة، حيّاكم الله.
نحمد الله العليّ العظيم حمدًا كثيرًا، ونصلّي ونسلّم على نبينا الخاتم محمد
ﷺ صلاةً وسلامًا متواصلين، ونسأل الله أن يرضى عن جميع الصحابة الكرام.
موضوع درسنا اليوم هو: أسرار الحروف المقطَّعة في القرآن الكريم دلالاتها الإيمانية وآفاقها التربوية
يبلغ عدد السور التي افتُتحت بحروف مقطَّعة في القرآن الكريم تسعًا
وعشرين سورة، ومجموع هذه الحروف ـ دون تكرار ـ أربعة عشر حرفًا. ولا يقتصر الأمر في القرآن الكريم على افتتاح بعض السور بالحروف، بل توجد
أيضًا خمس سور سُمّيت بأسماء هذه الحروف نفسها، وهي: سورة طه، سورة يس، سورة ص، سورة ق، وسورة ن، حيث جاءت أسماؤها من الحروف التي افتُتحت بها.
أما السور التي افتُتحت بـ الم (ألف، لام، ميم) فهي ست سور،
والسور التي افتُتحت بـ الر (ألف، لام، راء) فهي خمس سور، والتي
افتُتحت بـ حم (حاء، ميم) فهي سبع سور، والتي افتُتحت بـ طسم
(طاء، سين، ميم) فهي سورتان. أما السور التي افتُتحت بحرف واحد فقط فقد ورد ذلك في تسع سور.
إن هذا العدد الكبير من السور التي افتُتحت بالحروف، أو سُمّيت بها، يدلّ
على حكمة عظيمة. فقد أنزل ربّنا سبحانه كتابه المحفوظ القرآن الكريم باللغة
العربية، واختار حروف اللغة العربية لتكون مطالع لبعض السور، بل وجعل
بعضها أسماءً لسور كاملة، وكل ذلك يحمل في طياته حكمة إلهية بالغة ودلالة
على هداية الله لعباده.
أما عن المعنى الحقيقي والدقيق لهذه الحروف، فقد ذهب الخلفاء الراشدون
الأربعة، وكذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره من الصحابة، إلى
أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعلم معناها الحقيقي. وذهب بعض العلماء إلى أن لهذه الحروف معاني ومقاصد محددة، في حين
رأى بعضهم الآخر أنها لا تحمل معنى مستقلاً. غير أن القول بعدم وجود أي معنى لها لم يلقَ قبولًا عند جمهور العلماء،
لأن أكثر أهل العلم يرون أن هذه الحروف تحمل دلالات عظيمة ومعاني جليلة.
أما بخصوص هذه الحروف، فإن لكل واحدٍ منها دلالة ومعنى، ونحن نوقن
يقينًا جازمًا بأن ذلك داخل في حكمة ربّنا سبحانه وتعالى. ولذلك نقول: آمنا به، كلٌّ من عند ربّنا، كما ورد في الآية
السابعة من سورة آل عمران. فقد بيّن ربّنا سبحانه أن الآيات المتشابهات، وما تحمله من معانٍ خفية
وأسرار ودلالات، لا يعلم حقيقتها إلا الله وحده. ومن هنا، فإن المعاني الكامنة في هذه الحروف لا يعلمها على وجه اليقين إلا
ربّنا سبحانه، ولذلك نقول: آمنا بها، كلٌّ من عند ربّنا. وقد اتفق العلماء في هذا الباب على هذا الأصل العام.
والآن سنُجمل شيئًا من أقوال العلماء المشهورين في تفسير السور
التي سُمّيت بالحروف، أو التي افتُتحت بالحروف المقطّعة. لأن ذلك يُعدّ من إعجاز
القرآن الكريم، وهو أيضًا تحدٍّ إلهي للإنس والجن. فالإنسان بطبيعته يستخدم الحروف، ويُعبّر بها عن معانيه وأفكاره، ويكتب
بها المقالات والنصوص. والقرآن الكريم نفسه كتاب مكوَّن من حروف، وكل كلمة فيه
مركّبة من حروف، ولكن هذا الكتاب المؤلَّف من الحروف يحمل من المعاني والإعجاز ما يعجز
البشر عن الإتيان بمثله، فضلًا عما يحمله من هداية ورحمة للإنسان.
ونبدأ أولًا بالنظر إلى القرآن الكريم باعتباره كتابًا علميًّا؛ إذ
تضمّن من الحديث عن الخلق والكون ما لا يُحصى. فمع تطوّر العقل البشري، وتقدّم
الحضارة الإنسانية، تتكشّف الاكتشافات العلمية تباعًا، وكلّها تشهد على أن ما ورد
في القرآن الكريم من حقائق قد بُيِّن منذ زمن بعيد. كما أن القرآن الكريم يُعدّ منهجًا
شاملًا لمعالجة مشكلات المجتمعات الإنسانية، إذ تضمّن عددًا كبيرًا من الآيات
التي تهدي الإنسان إلى العمل الصالح. وبينما تضطر القوانين الوضعية والدساتير
البشرية إلى التعديل والتغيير كل بضع سنوات، نجد أن القرآن الكريم يظلّ هداية
ثابتة مستمرة، تقود المجتمعات الإنسانية نحو تحقيق السلام الحقيقي.
غير أن هناك من يؤمن بأن القرآن الكريم كتاب من عند الله، لكنه لا
يلتزم بأحكامه ولا يعمل بتوجيهاته، فهؤلاء تظهر في مجتمعاتهم مظاهر النزاع،
والاختلاف، وغياب السلم الحقيقي.
أما الذين عملوا بالقرآن الكريم واحتكموا إليه، فإن واقعهم يشهد
بذلك بوضوح، ولا سيما في عصر نبينا محمد ﷺ، وفي عهد الصحابة والتابعين، وبالأخص في
زمن الخلفاء الراشدين الأربعة، ثم في عهود الدولة الأموية والدولة
العباسية والدولة العثمانية، حيث تجلّت قوة المجتمع واستقراره وسلامه.
والسبب في ذلك أن الناس في تلك العصور كانوا يحتكمون إلى القرآن الكريم ويعملون
به. وهذا دليل واضح على أن القرآن، بما يحمله من نصوص مكتوبة، يوجّه الإنسان إلى
العمل الصالح، ويمنحه القوة في الدنيا، فضلًا عن عظمة الجزاء في الآخرة.
فالقرآن الكريم كتاب مكوَّن من كلمات وحروف، لكنه كتاب يهدي الإنسان إلى كشف
الأسرار. وأيّ أسرار؟ أسرار عالم الأرواح، وأسرار الغيب المتعلّقة
بالبعث، والجنة، والنار، وهي أسرار كشفها الله للإنسان رحمةً به. ومن أعظم هذه
النعم أن الإنسان إذا عمل بما في هذا الكتاب، وإذا قَبِل الله منه أعماله الصالحة
التي أدّاها وفق القرآن، فإنه يعيش إحساس معية الله ونصرته له. وعندئذٍ تنكشف له كثير من الأقدار المليئة بالخير، في الدنيا والآخرة، في
عالم الشهادة وعالم الغيب، وتُفتح له أبواب من النعم المقدّرة التي لم يكن يدركها
من قبل.
فعلى سبيل المثال، فإن نبينا محمدًا ﷺ كان أميًّا لا يكتب ولا
يقرأ، ومع ذلك أنزل الله عليه هذا القرآن المؤلَّف من الحروف. فأيّ نعمة لم تتحقّق على يديه وتظهر آيةً للبشر؟
سواء في عالم الغيب، حيث رفعه الله إليه وشرّفه برحلة الإسراء
والمعراج، فرأى من أحوال الغيب ومشاهده ما لا يُحصى،
أو في العالم المادي، حيث استطاع خلال ثلاثة وعشرين عامًا أن
يجمع جزيرة العرب المتفرّقة، تلك المنطقة التي كانت غارقة في عبادة الأصنام وتعدّد
الآلهة، فوحّد قلوب أهلها، وربطهم بعبادة الإله الواحد الحق، وأقام بهم أعظم حجٍّ
عرفه التاريخ.
فمن الذي يملك القدرة على إنجاز مثل هذا التحوّل العظيم في ثلاث وعشرين
سنة فقط؟ إن ذلك هو معجزة إنزال هذا الكتاب المحفوظ عليه.
ولهذا، استطاع أتباعه بعد ذلك، وفي فترات زمنية قصيرة، أن يُسقطوا أعظم
الإمبراطوريات في الشرق والغرب. وكيف تحقق ذلك؟ إنه إعجاز القرآن الكريم. فهذا الكتاب المؤلَّف من الحروف ليس من كلام البشر. ومن عمل به، وشهد أثره، أيقن أن الله قدير، عليم، رحيم، محسن. فالإنسان باتباعه لهذا الكتاب يستطيع أن يسعى إلى الخير، وأن يظهر قدرًا
من القوة، والفضيلة، والعلم، فتكون حياته شهادة على عظمة الله، لأن هذا الكتاب
يحمل في طيّاته رحمة الله للإنسانية.
والآن، من خلال ما بلّغه لنا النبي محمد ﷺ عن فضل هذه الحروف، نفهم
أن هذه الحروف ليست فقط وسيلةً لنيل الأجر عند تلاوتها، بل تحمل أيضًا دلالات على كيفية
حفظ الله لكتابه، وعلى ما أودعه فيها من حكم ومعانٍ مخصوصة، وسنُجمل ذلك بشيء
من البيان.
ففي سنن الترمذي ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه
قال: قال رسول الله ﷺ:
من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول:
(ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف .
ومن هذا الحديث نتعلّم أن تلاوة القرآن الكريم ليست فقط لطلب الأجر،
بل إن إنزال القرآن باللغة العربية، وكون خمس سور سُمّيت بالحروف نفسها،
يدلّ على أن هذا الكتاب مُعَدٌّ للتلاوة والقراءة المستمرة.
ولأن الله أنزل القرآن كتابًا محفوظًا، فإن حفظه لا يكون إلا عبر تلاوته. فلو لم يُتْلَ القرآن، ولو لم يسعَ الناس بعد التلاوة إلى حفظه وطلب هداية
الله به، فكيف يتحقق حفظه؟
إن الله يحفظ كتابه بعباده؛ يحفظه بتلاوتهم له، وبعملهم به، وبجعل
هذا الكتاب واقعًا حيًّا في الأرض، ليكون شاهدًا على عظمته وكرامته.
ولهذا فإن التلاوة هي الأساس، ومن دونها لا يتحقق التدبّر، ومن دون
التدبّر لا تُستخلص العِبر، ومن دون العِبر لا يكون التطبيق في الحياة. فهذه حلقات
مترابطة لا ينفصل بعضها عن بعض، وبهذا تتحقق الهداية التي أرادها الله من إنزال
هذا الكتاب العظيم.
أما بخصوص التلاوة، فإن سورة البقرة وهي السورة الثانية من
القرآن الكريم، افتُتحت بحروف مقطَّعة، وهي ثلاثة أحرف: ألف، لام، ميم. وفي علم التجويد لكل حرفٍ من هذه الحروف أحكامٌ خاصة في التلاوة. ومن حيث الأصل، فإن التلاوة قد يكون فيها مشقّة، غير أننا نوقن أن كل
حرف يُتلى له عشر حسنات، حتى في هذه المشقّة. ومن هنا يزداد تعلّقنا بالقرآن
الكريم، وتتولّد في قلوبنا محبّة القرآن.
ومثال ذلك أن كثيرًا من المسلمين في الصين لا يفهمون اللغة العربية، وكذلك
غيرهم ممن لغتهم الأصلية ليست العربية، فلا يستطيعون تلاوة القرآن بسهولة. لكن
عندما يقرأ الإنسان القرآن، ثم يعلّم غيره كيفية تلاوته، أو يشجّع الناس على
الاقتراب من القرآن الكريم، فإن مشهد حمل غير العرب للمصحف العربي بأيديهم يصبح
في حدّ ذاته آيةً ودليلًا. فهو شاهد على أن القرآن الكريم نعمة من الله لكل البشر، ولكل العوالم،
وليس نعمة خاصة بقومٍ دون قوم، ولا بمنطقة دون أخرى، ولا بزمن دون زمن.
وبعد بعثة نبينا الخاتم محمد ﷺ، صار كل من يتكلم أي لغة من لغات
البشر مخاطَبًا بهداية القرآن الكريم. ولذلك، حتى لو لم يفهم الإنسان لغة القرآن
العربية، فإن هذا الكتاب المكتوب باللغة العربية، عندما يُمسك به ويُحمل
بين اليدين، يصبح آيةً قائمة بذاتها، تشهد على أنه كتاب موجَّه إلى
الإنسانية كلها، وأنه الكتاب المحفوظ من عند الله. وبهذا الفعل، يكون الإنسان قد أسهم في تعظيم القرآن ورفع شأنه.
ولهذا، فلا ينبغي أن يمتنع الإنسان عن قراءة القرآن أو الاقتراب منه أو
حتى لمسه أو احتضانه بحجة عدم فهم اللغة العربية. فقد أنزل الله القرآن باللغة
العربية على نبيه الخاتم، وكذلك فإن اللوح المحفوظ الذي كُتب فيه القرآن هو
باللغة العربية. ومن هنا، فإن تعظيمنا للمصحف، وحمله، وتقبيله، هو شهادة منا على
أنه نعمة إلهية للبشرية، وواجب علينا أن نُعلي شأنه ونوقّره.
وفي الختام، نربط ما تقدّم بوجود ست سور في القرآن الكريم افتُتحت
بحروف: ألف، لام، ميم، لنكوّن فهمًا أساسيًا حول ذلك. فالقرآن الكريم هو آيات
الله وعلاماته، ولذلك ننظر إلى كل حرفٍ فيه على أنه آية وعلامة. وبطبيعة الحال، فإن هذا الفهم يكون من خلال قواعد التلاوة، لأن
التلاوة هي التي تلقّاها نبينا محمد ﷺ من ربّه، وبلّغها للصحابة رضي الله عنهم مشافهةً
حرفًا حرفًا، ثم توارثها المسلمون جيلًا بعد جيل. ولهذا فإن تلاوة القرآن
الكريم تلاوةٌ متقنة صحيحة لا خلل فيها.
ومن هنا، فإننا نفهم هذه الحروف على أنها آيات تُدرَك من خلال التلاوة،
فنستخرج منها معاني الهداية، وننطلق منها إلى شكر الله والثناء عليه، ونزداد محبةً
وفرحًا بكون القرآن الكريم نزل باللغة العربية.
فالذين درسوا علم تجويد القرآن يعلمون أن حرف الألف (أ) هو
حرف بلا صفة مستقلة، وأن صفته تُبيَّن من خلال حرف الهمزة. ومن هنا يصبح هذا الحرف بحدّ ذاته آيةً ودليلًا؛ لأن كل ما في
القرآن يجب أن يكون آية من آيات الله. وقد ذُكر في علم التجويد أن الألف حرف بلا
صفة، فكيف نفهم هذه الآية؟
نحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى، قبل أن يخلق هذا الكون، كان موجودًا
بذاته، ولم تكن صفاته ظاهرة من خلال المخلوقات، لأن صفاته إنما تُعرَف وتُدرَك من
خلال الآيات والعلامات. فالله يعرّفنا بصفاته العظيمة عبر ما خلقه من دلائل. ومن هذا المنطلق، فإن
كون الألف حرفًا بلا صفة في التلاوة يجعله علامة على أن الله سبحانه موجود
بذاته حقيقةً، حتى قبل أن تظهر صفاته من خلال الخلق. فحرف الألف نفسه يصبح
شاهدًا على أن لله ذاتًا حقيقية قائمة بذاتها. وعندما نقرأ هذا الحرف، فإننا نشهد بألسنتنا أن ربّنا صاحب ذات.
أما حرف اللام، فإن طريقة نطقه تمثّل آية مهمة جدًا. فعند نطق هذا الحرف، يلامس مقدَّم اللسان لثة الأسنان العليا، فينحبس
الصوت ثم يخرج من جانبي اللسان بشكل طبيعي، من دون ارتجاف طرف اللسان، ويكون الصوت
رقيقًا بلا هواء زائد. ولذلك يُعرف هذا الحرف بأنه صوت جانبي، وهو من
الأصوات التي تتطلّب عناية خاصة في استعمال اللسان.
ونحن نعلم أن اللسان خُلق للكلام والتعبير، فإذا لم يُضبط اللسان على
ميزان كلام الله، وعلى معيار الحق والخير، فإن الإنسان يكون محاسبًا على لسانه. فألسنة الإنس والجنّ موضع مسؤولية، ولا يتحقق السلام النسبي من المحاسبة
إلا إذا ضبط الإنسان لسانه بكتاب الله.
والكلام لا بد له من هواء، حتى وإن كان هذا الحرف في علم التجويد لا يُنطق
بهواء زائد، فلا بد من أصل النفس، وإلا لما استطاع الإنسان أن يتنفس. وفي التلاوة
أحيانًا نحبس النفس، وأحيانًا يكون خروج الهواء واضحًا، وكل ذلك يدلّنا على أن الروح
التي منحها الله للإنسان إذا لم تكن طاهرة، فإن الأصوات التي تخرج من فمه لا
تكون حقًا، وإن لم يُضبط اللسان فإن الكلام يكون زيفًا وباطلًا.
ولهذا، فعندما نقرأ حرفًا له علاقة مباشرة باللسان وبضبط النفس، فإننا
نتعلّم من ذلك آيةً عظيمة. وبما أن القرآن كله آيات من عند الله، فإن لغة الله هي تعليم وهداية
لنا. فكيف نُهذّب نفوسنا، ونضبط دوافع النفس البشرية؟ يكون ذلك بطلب الهداية من
الله عبر كتابه.
وعندما يرزقنا الله طمأنينة الروح ونقاءها، نُدرِك أن ربّنا هو
المطلق في الطهارة، وأن كتابه هو الحق المطلق. وعندها نصبح نحن شهودًا على هذه الحقيقة. فإذا بلغ الإنسان درجة يكون فيها
شاهدًا على قدسية الله، وعلى حياته الأبدية، وعلى كتابه المقدّس، فهذا يعني أنه
شهد على صفات الله من خلال الهداية التي نالها.
وعندئذٍ يكون لسان الإنسان قد ضُبط، وبلغ حالة من السلام النسبي من
المؤاخذة. ومن هنا، فإن الفائدة التي ننالها من قراءة حرف واحد ليست فقط عشر
حسنات، بل أن نتعلّم ضبط ألسنتنا. فنحن نطلب من الله، ونحن نقرأ كتابه، أن يجعلنا آيةً من آياته، وأن
يرزقنا نعمة استعمال اللغة التي منحنا إياها في الشهادة على أن الله متكلّم،
وأن كلامه هو الحق.
ومن خلال هداية الله بلغته، نُقوّم سلوكنا وعبادتنا، فتستقرّ نفوسنا،
وتتجلّى طهارة الروح، فنصبح شاهدين على قدسية الله، وعلى كونه الحيّ القيوم، ونكون
نحن من آياته. وهكذا نتعلّم من حرف اللام أهمية اللسان كله في النطق،
ونتعلّم أن نهتدي بآيات الله، وأن نطلب منه أن يضبط ألسنتنا، حتى تُظهر ألسنتنا
كلامه، وتُهذّب أعمالنا، ونسير على هدايته.
والآن ننتقل إلى التعرّف على حرف الميم وما يحمله من آية ودلالة. فمن المعروف في علم التلاوة أن الميم حرف أنفي خالص؛ فعند نطقه
تُغلق الشفتان إغلاقًا تامًا، ويخرج الصوت من الأنف فقط، بخلاف حرف النون الذي
يخرج معه الصوت مع بقاء الفم مفتوحًا. فالميم عند نطقه يكون الاعتماد كليًا على
الأنف، لا على الفم.
وهنا نقرأ آية أخرى: عندما ننطق هذا الصوت الأنفي الخالص، فإن
الشهيق والزفير يدلّان على أننا أحياء. فالإنسان يقرأ آية من آيات الله ليهتدي
بها، وعليه أن يكون آية حيّة. فهذا النص المكتوب آية، لكنني أُجسِّده في الإنسان باعتباره عبدًا من عباد
الله، ليكون آيةً ظاهرة. فقد خلق الله لنا الأنف، وجعل الشهيق والزفير سبب الحياة،
لنطلب بهما الأجر الأبدي.
لقد منح الله آدم عليه السلام، أبو البشر، أعظم نعمة، حتى سجدت له
الملائكة. وعلّم الله الإنسان الأول الأسماء كلها بلغة الوحي، فصار نسل آدم يعرف
الخلق من خلال أسماء الأشياء، وينال بها النعم، ويسعى إلى الرحمة العامة في
الدنيا، ثم يجعل من هذه الرحمة العامة وسيلةً لطلب الرحمة الخاصة. وبهذا صار الإنسان خليفة في الأرض. وكيف يكون خليفة؟ بأن يطلب الرحمة العامة، ثم يستعمل هذه النعم في أعمال
الخير، فينال بها الخير، ثم يسعى بعدها إلى ثواب الآخرة الأبدي.
فإذا كانت الملائكة قد سجدت للإنسان، فإن على الإنسان أن يقود سائر المخلوقات
إلى السجود لله العلي العظيم. ولأن الإنسان يعيش بالشهيق والزفير، فإن الأنف لا بد
أن يعمل. ولو سُدَّ الأنف واضطر الإنسان إلى التنفّس من الفم لمرض، ولأصيب حلقه
بأذى شديد، فيبحث عن الدواء ليُعيد للأنف وظيفته، لأنه عضو التنفّس الأساسي. ثم إن الأنف يقع في منتصف الوجه، لا في الأعلى ولا في الأسفل ولا
في اليمين ولا في اليسار، وهو مرفوع ظاهر، وكل ذلك نعمة عظيمة. فإذا لم يسجد هذا
الأنف لله، فإن الإنسان لن يدرك ثواب الآخرة الأبدي.
وعندما نقرأ حرف الميم بوصفه حرفًا مستقلًا في التلاوة، فإنه يصبح آية،
وعلينا أن نكون بعد التلاوة آيات حيّة نتلقّى العبرة. فشهيقنا وزفيرنا يجب
أن يكونا سعيًا إلى الثواب الأبدي. وأنفنا، في هذا الوجه المكرّم، ينبغي أن
يُسخَّر لطلب رضا الله، وأن نبذل أعمالنا الصالحة وحياتنا كلها طلبًا لثواب لقاء
الله بعد البعث.
وعندئذٍ نلاحظ أن كلمة مسجد تحتوي على حرف الميم، وكذلك كلمة مبارك
فيها ميم. وكل من درس العربية يعلم أنه عند تحويل الفعل إلى اسم مصدر، كثيرًا ما
يُضاف حرف الميم في أوّل الكلمة. وهنا نتأمّل هذا المعنى: فعندما يتحوّل
الاسم إلى مصدر، نتعلّم أن كل خير نكتسبه يجب أن نسأل الله أن يجعله مباركًا. وكيف ننال البركة حقًّا؟ نعلم أن متّبعي القرآن يؤدّون الصلوات الخمس
يوميًا، ويجتمعون في المسجد لصلاة الجمعة، وفي عمر الإنسان مرةً واحدة على
الأقلّ يجب أن يقصد البيت الحرام لأداء الحج، طلبًا لثواب الآخرة.
وأما الأضاحي من بقر أو غنم، فإنها في حقيقتها تذكير بكيفية رفع
إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لقواعد المسجد، وتذكير للأجيال اللاحقة كيف
عاش إبراهيم بأنفاسه دون أن يُشرك بالله شيئًا، حتى بذل حياته في سبيل الله، وكيف
أطاع إسماعيل النبي والرسول، فكانت طاعته للرسول طاعةً لله العلي العظيم، من غير
اعتراض على أمره.
ونحن إذ نذكر كيف بذلا حياتهما طلبًا لثواب الآخرة، وكيف رفعا قواعد
المسجد، ندرك أن عبادة الحج لا يجوز التفريط فيها. وعندها، حين نقرأ حرف الميم وفق قواعد التلاوة، ونفهم ما يحمله من
آيات، نصبح نحن أنفسنا آيات حيّة تشهد على نعم الله علينا.
وعندما نعمل الصالحات ونكون من أهل الخير، ننال معونة الله وتأييده،
فتتحقق طمأنينة النفس الإنسانية، ولا يقتصر الأمر على نيل نعيم الجنة في الآخرة،
بل إن الروح (الروحانية) التي منحها الله لنا نعمةً منه، يمكنها في الجنة أن
تنال شرف رؤية الله. وبذلك نكون شاهدين، نشهد أن ربّنا هو الأحسن، الأرحم، الألطف.
وهذا هو المعنى الذي ندركه عند التلاوة، حين نربط بين هذه الحروف وقواعد
نطقها، فنصبح نحن أنفسنا آيات من آيات الله. فالإنسان يتحوّل إلى آية حين يهتدي، ويعرف ما أودع الله في هذه الحروف من
أسرار ومعانٍ عميقة.
وقد ورد افتتاح ست سور من القرآن الكريم بهذه الحروف الثلاثة.
وعندما نذكر العدد ستة، يتبادر إلى أذهاننا مباشرة أركان الإيمان الستة. فكل من تلا هذه السور الست تلاوةً واعية، وتدبّرها، وعمل بما فيها، وجعل
ما تحمله هذه الحروف من معانٍ وسرائر طريقًا ليكون هو نفسه آيةً شاهدة، فإن هذا الإنسان
يكون موقنًا يقينًا تامًا بأن الله سبحانه موجود بذاته، وأن له ذاتًا
حقيقية قائمة، وأن له هدايةً شاملة للإنسان وللخلق كافة. ويؤمن بأن لله جوهرًا،
وأن له كلامًا، وأن له روحًا قدسية حيّة أزلية، كما يؤمن كذلك بأن لله صفاتٍ
كاملة وأسماءً حسنى.
ومَن بلغ هذا اليقين الراسخ، فإن إيمانه بأركان الإيمان الستة يكون
ثابتًا راسخًا لا يتزعزع.
وبهذا أكون قد ختمت مشاركتي اليوم. فحروف كتاب الله تحمل أسرارًا لا
حصر لها، ولا يعلم حقيقتها على وجه الكمال إلا الله وحده. وما نقوم به إنما هو
مشاركة لما فهمناه وتدبّرناه. نسأل الله أن يمنّ علينا بالأجر والثواب.
وإن كان في الكلام قصور، أو نقص في البيان، أو زلل في التعبير، فنسأل الله
العلي العظيم أن يغفر لنا، ونرجو من الإخوة والأخوات العذر والصفح.
وجزاكم الله خيرًا، وشكرًا لحسن المتابعة.
تعليقات
إرسال تعليق