(20) سورة البقرة - سرّ الدعاء الأول لآدم وزوجه عليهما السلام ودلالاته العظيمة
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، ورضي الله عن آله وصحبه أجمعين.
موضوعنا اليوم يتناول
أول دعاء في تاريخ البشرية، وهو دعاء أبينا آدم وزوجه عليهما السلام حين وقعا في المعصية
فأكلا من الشجرة، ثم توجها إلى ربهما بالدعاء:
﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا
وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: 23].
هذا الدعاء يجمع معاني
التوحيد والاعتراف بالذنب، وطلب المغفرة والرحمة، واليقين أن النجاة لا تكون إلا برحمة
الله. وهو يُظهر طبيعة الإنسان المجبولة على الضعف والوقوع في الخطأ، وفي الوقت نفسه
يبيّن كرامته حين يتوب ويرجع إلى ربه، فيصبح أقرب إلى صفاء الروح وسكينة النفس.
ومن خلال هذا الدعاء نفهم
أن الابتلاء واحد للرجل والمرأة معًا، وأن كليهما مكلَّفان بالعبادة والتوحيد، وأن
رحمة الله متاحة لهما متى عادا إليه صادقين. فهو درس خالد لكل ذرية آدم: أن سبيل النجاة
يبدأ بالاعتراف بالتقصير، ويمر بالتوبة، وينتهي بالثبات على عبادة الله وحده دون شريك.
أيها الإخوة والأخوات في هذه المجموعة
نحمد الله سبحانه وتعالى ونثني
عليه، ونصلي ونسلم على خاتم النبيين محمد ﷺ تسليمًا كثيرًا، ونسأل الله أن يرضى عن
جميع الصحابة أجمعين.
حديثنا اليوم: تحليل أول توبة ودعاء في تاريخ البشرية، وهو ما صدر عن أبينا آدم عليه
السلام وزوجه.
ففي قوله تعالى في سورة الأعراف (آية 23):
قالا
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
كان هذا أول دعاء وتوبة نطق بها الإنسان. ومن هنا كان من اللازم الوقوف
على معانيه وأسراره. أما تفاصيل قصة مخالفة آدم عليه السلام وزوجه، وأكلهما من
الشجرة المنهي عنها، فهي مشهورة ولسنا بصدد إعادة سردها، وإنما نركز هنا على تحليل
الدعاء نفسه.
وفي قوله تعالى في سورة البقرة (آية 37):
فتلقى
آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم
نجد أن الله جل وعلا قد علّم آدم كلمات ليتوب بها، فتاب عليه وغفر له.
وفي بعض الروايات الواردة في "الحاكم" و"تفسير
الطبري" و"تفسير ابن كثير" عن ابن عباس رضي الله عنه، أن آدم عليه
السلام قال:
"يا رب، ألم تخلقني بيدك؟" قال: "بلى".
قال: "ألم تنفخ فيّ من روحك؟" قال: "بلى".
قال: "ألم تسبق رحمتك غضبك؟" قال: "بلى".
قال: "أرأيت إن تبتُ أراجعي أنت إلى الجنة؟" قال: "بلى".
ومن خلال هذه الروايات نتعلم أن آدم عليه السلام مخلوق من طين، نفخ الله
فيه من روحه، فهو مخلوق مادي ذو جسد، ومع ذلك حُمل بروح من أمر الله. وبسبب هذه
الطبيعة المزدوجة (جسد وروح)، فإن الله قدّر أن يقع في الخطأ، لأن صفات النقص
ملازمة لكل مخلوق، بينما الله تعالى وحده هو القدوس المنزه المطلق.
فالروح التي نفخها الله في آدم جعلت له شرفًا وكرامة، إذ بها صار قادرًا
على معرفة ربه وعبادته. وهذه الروح التي أودعها الله في الإنسان هي سبب قابليته
لأن يتلقى الوحي، وأن يتلو كلام الله بلسانه، وأن يظهر في سلوكه آثار الطاعة والاتباع.
فهي أمانة ومنحة من الله تؤهله لمعرفة ربه والتوجه إليه.
لكن مع وجود النفس (التي تميل إلى الشهوات) وقع آدم في المخالفة، فأكل من
الشجرة. غير أن الروح التي أودعها الله فيه، بما فيها من خصائص الطهر والقداسة،
جعلته يتدارك خطأه بالتوبة والإنابة. فلما تلقى كلمات ربه، أقرّ بالذنب، واستغفر،
فتاب الله عليه وغفر له، لأنه سبحانه التواب الرحيم.
وهذا يبين أن الإنسان وإن كان ضعيفًا وخطّاءً بطبيعته، فإنه بفضل الروح
التي أودعها الله فيه، قادر على معرفة ربه، والإقرار بصفاته، والتوبة إذا أخطأ.
فالتوبة نفسها مظهر من مظاهر الروح المقدسة التي في الإنسان، ودليل على أن الله
وحده هو المعبود الحق، الغفور الرحيم، الذي تسبق رحمته غضبه.
وبذلك كانت توبة آدم عليه السلام أول شاهد على أن الإنسان عبد لله، لا غنى
له عن مغفرته ورحمته، وأنه بفضل هذه التوبة يظل قادرًا على السير في طريق العبادة
والاعتراف بوحدانية الله وتنزيهه.
تفصيل ما ورد في كلمات التوبة لآدم عليه السلام
نعود لنتأمل هذه الكلمات لنتعلم منها على وجه أعمق.
فآدم عليه السلام سأل ربه: "يا رب، هل خلقتني بيدك؟" فقال له ربه: "نعم."
وهذا دليل على أن آدم شهد أن الله هو الخالق، فأدرك توحيد الخالقية على
وجه كامل، وأن كل موجود هو من خلق الله وآية من آياته، وأن الله متفرد بالوجود قبل
كل الخلق، إذ لم يكن شيء قبله.
ثم سأله: "هل نفخت فيّ من روحك؟" فقال: "نعم."
فأدرك أن الله ليس فقط له الذات المتفردة، بل له الروح الأزلي الأبدي،
المقدس، الحي الذي لا يموت.
ثم ذكر أنه عطس فقال له ربه: "يرحمك الله." فسأله: "أرحمتك سبقت غضبك؟" فأجابه الله: "نعم."
فأثبت أن صفات الله الحسنى وأسماؤه قائمة على الرحمة السابقة للغضب، وأن
صفاته كلها كمال مطلق، وأنها تظهر في العالم بآيات الخير والإحسان.
ثم سأل ربه: "هل قدّرتَ عليّ هذا الفعل؟" أي أنه سيقع في المعصية بمقتضى بشريته ونفسه التي بين جنبيه، فأجابه الله: "نعم."
فشهد أن الله هو المقدر، العالم بما سيكون، وأن كل شيء بقدره وإرادته.
ثم سأل ربه: "أفرأيت إن تبتُ، أتردني إلى الجنة؟" فأجابه الله: "نعم."
فشهد أن الله وحده هو المعبود الحق الذي لا شريك له، المنفرد بالرحمة
والمغفرة، المستحق أن يُعبد وحده.
وهذا كله يبيّن أن آدم عليه السلام بما أودع الله فيه من روحه (الـروح
المقدسة) كان قادرًا على بلوغ المعرفة الكاملة بربه، وأنه إذا زلّ تاب، وإذا أخطأ
أناب. فلما وقع في المعصية بأكله من الشجرة، عاد سريعًا إلى التوبة، فاستفاد من
كلمات الله (الوحي) التي نزلت عليه، وبها استعاد الطهارة والقداسة التي أودعها
الله فيه، وبها صار على الطريق المستقيم.
فدلّ ذلك على أن آدم عليه السلام جمع بين أمرين:
- معرفة ربه على
الوجه الأكمل.
- وكونه أول خليفة
في الأرض وأول نبي مرسل، ليبلّغ الناس طريق التوحيد، ويدعوهم إلى عبادة الله
وحده لا شريك له، والسعي إلى نعيم الجنة ورؤية الله في الآخرة.
**تأمل في دعاء التوبة الأول لآدم وزوجه عليهما السلام**
ننتقل الآن لنتأمل دعاء التوبة الذي قاله آدم وزوجه عليهما السلام، وكيف أدّيا
من خلاله عبادة الله الكاملة في الأرض. قالا
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ \[الأعراف: 23].
حين قالا: *"ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا"* كان ذلك دليلًا على معرفتهما
العميقة بطبيعة النفس البشرية (النَّفس). فقد أدركا أن النفس تتأثر بالشهوات المادية الشهوات مثل الطعام والجنس، وأنها إذا لم تُضبط ظهرت عليها صفات الظلم والعصيان، وتجاوزت
حدود الحلال والحرام. فلما دنوا من الشجرة وأكلا من ثمرها، ظهر ظلم النفس، وتجلى بُعدهم
عن المعيار الإلهي. كما ظهرت عوراتهما، فعرفا أن للإنسانية حدًّا بين الحلال والحرام،
وأن تجاوز ذلك ظلم للنفس.
لقد تعلّما من التجربة أن للنفس قابلية للانخداع بالشهوات المادية، ولهذا لما
تابا عزما ألّا يعودا لمثلها أبدًا، وأن يلتزما الحلال والحرام، بل وأن يرشدا ذريتهما
إلى الالتزام بهذا الضابط الإلهي. فالحلال والحرام معيار وضعه الله للبشر ليذكّرهم
بربهم في كل لحظة من حياتهم
لكن الأمر لم يقتصر على الشهوات الجسدية، بل أدركا أيضًا أن للنفس ميلًا آخر، وهو اتباع الأهواء الروحية والفكرية. فقد وسوس لهما الشيطان قائلًا: *﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾* \[الأعراف: 20]، أي أن هذه الشجرة سبيل إلى الخلود والملك الذي لا يبيد. فاشتعلت في داخلهما رغبة البقاء والسلطة والعزّة، وهي من جملة الأهواء. وهكذا تبعا الوهم والباطل، وابتعدا عن الحق الواضح الذي أمرهما الله به .
فلما تابا، علما أن اتباع الهوى يقود إلى الظلم والخسارة، وأن الشيطان لا يدعو
إلا إلى الباطل. ومن هنا جاء اعترافهما وطلبهما: *"وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن
من الخاسرين"*، فشهدا بضعفهما وفقرهما، وبأن الله وحده هو الغفور الرحيم. لقد
أظهرا صفة العبودية والافتقار، وشهدا بعلو الله وكماله، فهو وحده الغفور، وحده الرحيم،
وحده القادر على إنقاذ العباد من الخسران
وبهذا صار دعاؤهما توبةً صادقة، توبةً تتضمن عدم العودة إلى الذنب، والالتزام
بحدود الله، وشهادةً على أسمائه وصفاته. فصار آدم عليه السلام خليفة في الأرض، وزوجه
عونًا له في مهمته .
سرّ دعاء آدم وزوجه عليهما السلام ومعنى ابتلاء الرجل والمرأة
وبما أن الله سبحانه متصف بصفاته الحسنى ونعوته العُليا، فقد خلق الخلق
وأعطاهم القدرة على فعل الخير وطلب رحمته وفضله. فلما هبط آدم وزوجه إلى الأرض،
كانا يطلبان رحمة الله العامة (الرحمن) والخاصة (الرحيم)، فصار آدم أول نبيٍّ
ورسولٍ في الأرض، وصارت زوجه حواء أول أَمَةٍ صالحة، فباشرا معًا العمل الصالح.
ومن خلال دعائهما نفهم أن العبد – مهما عمل من خير – يظل متواضعًا بين يدي
ربه، يشهد أن الله وحده هو الذي يمكّنه من فعل الخير، وأن رحمته وفضله هما مصدر كل
خير. لقد تضمّن دعاؤهما هذه الشهادة: ألا يُشركا مع الله أحدًا في صفاته وأسمائه،
وأن الخير كله من عنده وحده .
وكون الدعاء صدر من الزوجين معًا يبيّن أن الرجل والمرأة سواء في
الابتلاء: فكلاهما يواجهان ابتلاء الشهوات المادية والميول الروحية، وكلاهما
مكلَّفان بمعرفة الله وعبادته عبادةً كاملةً ليعودا إلى الجنة. فلا مجال للاعتذار
بأن العبادة أو التكليف خاص بالرجال دون النساء، ولا يصح القول بأن المرأة هي
صاحبة الذنب الأكبر والرجل بريء، فهذه كلها أقوال باطلة. فهذا الدعاء شاهد بأن
كلًّا من الرجل والمرأة معرّضان للابتلاء، وكلاهما مهيَّأ لفعل الخير كما أن
كلاهما قد يقع في الخسران إن أعرض عن أمر الله .
إنما الفارق بينهما في ميدان العمل والتكليف الدنيوي؛ فالمرأة تُبتلى في
الحمل والولادة، والرجل يُبتلى في السعي للرزق خارج البيت، وكلٌّ منهما يواجه
امتحانًا يخصه. لكن جوهر الابتلاء واحد: أن يثبتا على التوحيد، وألا يُشركا بالله
شيئًا، وأن يعبدا رب العالمين ليحصلا على الطهر الروحي وحالة النفس المطمئنة،
ويحققا التوحيد في المعرفة والإيمان والعبادة .
وفي النهاية، سواء كان رجلًا أو امرأة، فإن كلمة الجميع واحدة
الحمد لله رب العالمين .
بالاستناد إلى دعاء آدم وزوجه عليهما السلام
فإن أول دعاء صدر عن
الإنسان نحلّله تحليلًا يسيرًا، ونسأل ربنا أن يهدينا، ويجعلنا من ذرية آدم وزوجه
عليهما السلام، ممّن يبلغون مرتبة الإحسان، ويكونون عبادًا لربهم يعبدونه وحده.
آمين
اليوم نكتفي بهذا القدر، فإن كان في كلامي خطأ أو غموض فأسأل الله سبحانه
المغفرة، وأرجو من الإخوة والأخوات المعذرة. جزاكم الله خيرًا على المشاركة.
تعليقات
إرسال تعليق