(16) سورة البقره - حكمة خلق الأرض قبل السماء وتمهيدها: تأملات في الآيات ودلالاتها


المقدمة:

في هذا الدرس المبارك، نقف وقفة تدبّر وتأمل مع آيات من كتاب الله العظيم، لنتعلّم منها الحكمة العميقة التي تتجلى في ترتيب خلق الله تعالى للأرض أولًا ثم السماء، وفي تسوية الأرض لاحقًا وتمهيدها، وما في ذلك من أسرار ربانية وهداية إيمانية.

سنستعرض خلال هذا اللقاء الآيات القرآنية التي ذكرت هذا الترتيب، ونتأمل تفسير العلماء لها، ونربطها بمعرفة الإنسان لربه، وبمراحل الإيمان التي تبدأ بشهود الذات الإلهية وتنتهي بتحقيق العبادة الخالصة، وإدراك الغاية من الوجود.

فالموضوع ليس مجرد عرض لحقائق كونية، بل هو دعوة للتأمل في منهج الله في الخلق، وفهم كيف أن كل شيء في هذا الكون، من الأرض والسماء وما بينهما، ما هو إلا آية من آيات الله الدالة عليه، والتي تقود الإنسان إلى التوحيد، والطاعة، واليقين بلقاء الله عز وجل.

نسأل الله تعالى أن يفتح لنا في هذا الدرس أبواب الفهم والبصيرة، وأن يجعلنا من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
إخوتي وأخواتي في هذه المجموعة
نحمد الله العظيم، ونسأل أن يُصلّي ويُسلّم على نبينا محمد ﷺ، وأن يرضى عن جميع صحابته.

موضوع مشاركتنا اليوم هو: تحليل لمعنى خلق الله تعالى للأرض قبل السماء، ثم تسويته للأرض بعد ذلك، وما في ذلك من حكمة وأسرار.

إن ربّ العالمين خلق السماوات والأرض وكل شيء فيها بالحكمة والحق، وكل خلق من خلقه هو آية من آياته، ودليل على عظمته وهدايته.

قال ربنا في سورة الحجر، الآية 85:
"
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ"

وفي سورة ص، الآية 27، يقول ربنا سبحانه:
"
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ"
(27)
لم نخلق السماوات والأرض وما بينهما عبثًا وبلا هدف، بل هذا الظن هو ظن الكافرين، وويلٌ لهم من النار.

نلاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى استخدم كلمة "بِالْحَقِّ" ليؤكد أن خلقه إنما هو عن حكمة وقصد، ولم يكن عبثًا.
وقد جاءت كلمة "بَاطِلًا" كضد لكلمة الحق، مما يدل على التأكيد الثنائي أن كل خلق الله يحمل حكمة وهدفًا عظيماً.

وفي سورة الدخان، الآيتين 38 و39، قال تعالى:
"
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ"
"
مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ"
(38)
لم نخلق السماوات والأرض وما بينهما عبثًا أو لهوًا.
(39)
بل خلقناها بالحق، لكن أكثر الناس لا يعلمون.

كل هذه الآيات تؤكد أن خلق السماوات والأرض لم يكن بلا غاية، بل لحكمة عظيمة وحق ثابت أراده الله، لكن كثيرًا من الناس يغفلون عن إدراك ذلك.

ينبغي علينا أن نتعرف على آيات الله من خلال الكتاب الذي أنزله إلينا، وأن ندرك أن هذه الآيات تحمل في طيّاتها دلالات على أن خلق السماوات والأرض إنما هو قائم على الحق وليس عبثًا أو لهوًا، وفي ذلك حكمة عظيمة ينبغي علينا التأمل فيها لننال الهداية.

وفي الآية 29 من سورة البقرة، نتعلّم أن الله خلق الأرض أولًا ثم السماء، ويجب أن نتأمل هذا المعنى العميق ونستنبط منه ما يدل على عظمة الله وحكمته. فكل ما ورد في القرآن يجب أن نقرأه بتدبر، ونفهم المعاني الكامنة فيه، لننال العظة ونسير على طريق عبادة الله وحمده وشكره.

قال الله تعالى في سورة البقرة، الآية 29:
"
هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ"

وقد قال العلماء إن هذه الآية تدل على أن الله خلق الأرض أولًا، وعندما بدأ خلق الأرض تصاعد منها دخان، ثم توجه الله إلى خلق السماء، وكانت السماء حينها على شكل بخار، وهذا ورد في سورة فصلت، الآية 11. ثم بيّن الله أنه جعلها سبع سماوات منسقة ومنظمة.

وأوضح العلماء في تفسيرهم أن "السبع سماوات" تعني أن كل سماء فوق الأخرى، وأن "السبع أراضين" تعني أن كل أرض تحت الأخرى. وهذه الآيات كلها تدل بوضوح على أن الله خلق الأرض قبل أن يخلق السماء.

ويجب علينا أن نفهم حكمة الله في خلق الأرض أولًا ثم السماء، لأن هذه الخلائق تحمل في طياتها التكليف لنا أن نعبد الله ونعمل الصالحات. ولذلك، فإن كل مخلوق من مخلوقات الله إنما هو آية من آياته، وهداية لنا، ووسيلة لنيل نعمته، فعلينا أن نسعى للفهم والهداية، وأن نعبر عن شكرنا له.

علينا أن ندرك أن كل ما خلقه الله في هذا الكون هو من آياته، وأن نتعرف على خالقنا من خلال التأمل في هذه المخلوقات. وربنا سبحانه قد وصف نفسه بأنه لا يشبهه شيء من مخلوقاته، وله الصفات الحسنى والأسماء العلى، وكلها من تعريف الله لنفسه، ويظهرها لنا من خلال آياته ومخلوقاته.

ينبغي علينا أولًا أن نُدرك أن لربنا ذاتًا خاصة به سبحانه، فهو موجود بذاته قبل خلق العوالم كلها، وسيبقى وحده بعد أن يُفني الله الخلق، ولا يبقى سواه، وهذه هي الذات الإلهية. لذا، فإن علينا من خلال آيات الله ومخلوقاته أن نتأمل وندرك أن لله ذاتًا لا يشبهها شيء.

وقد أخبرنا الله تعالى في الآية 11 من سورة الشورى:
"
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"
أي: لا شيء يشبهه، ولا يمكن أن يُقارن به شيء من خلقه. ومع ذلك، فإن الله تعالى يخلق في هذا الكون أشياء تبدو وكأنها مشابهة، لكنه ينفي عنها الشَّبَه به، لتكون دليلًا واضحًا على أن كل ما له مِثْلٌ أو نظير، لا يمكن أن يكون مثل الله تعالى، فالله منزَّه عن كل شَبَه، وكل مثيل.

فمن رُزق الفهم والبصيرة، يستطيع أن يصل إلى هذه الحقيقة: أن لله وجودًا ذاتيًا لا يُشبهه شيء من خلقه، وأن كل ما سواه، مهما بدت فيه من عظمة أو قدرة، فهو مخلوق خاضع لحاجاتنا ولتأثيرات الزمان والمكان والسببية، بينما الله سبحانه منزه عن ذلك كله، لا يخضع لزمان، ولا لمكان، ولا لأي قيد أو حاجة، ولا لأي قانون من قوانين الكون.

وكون كل الموجودات آيات من آيات الله، فإن الإنسان كذلك مخلوق جعله الله آية عظيمة من آياته، ليدرك من خلالها أن لله ذاتًا حقيقية لا يشبهها شيء.
ولأجل ذلك، أرسل الله الأنبياء والرسل ليكونوا واسطة هداية للناس، وليعرّفوا الناس على حقيقة هذا الخالق العظيم. وقد بيّن الله سبحانه أن هناك يومًا للقيامة ويومًا للبعث بعد الموت، وهما من أعظم الآيات التي تدل على أن لله ذاتًا مستقلة، وأنه هو وحده الذي يبعث الخلق بعد موتهم.

ولهذا، قال الله تعالى في سورة الحجر (الآية التي ذُكر فيها خلق السماوات والأرض بالحق): إن القيامة لآتية لا محالة، أي أن هذه الحقيقة لا بد أن تقع، ليتيقن الإنسان أن لله ذاتًا خالدة، وهو سبحانه من يُحيي ويميت ويبعث الخلق مرة أخرى.

فعندما يُؤمن الإنسان بيقين بيوم القيامة، ويُدرك أن هناك بعثًا بعد الموت، فإنه يوقن أن الله موجود بذاته، ليس كمثله شيء، وأن كل ما في الكون ليس سوى آيات تدل عليه، وليس فيها من يُشبهه أو يُقارَن به.

نظرًا لأن الإنسان مخلوق بطبيعة تشتمل على الشهوات، ولأن شهواته الجسدية واضحة وظاهرة جدًا، فإنه غالبًا ما يكون أول ما يتعرّف عليه هو ربوبية الله تعالى له، أي أنه يبدأ أولًا بفهم أن لله دورًا في تربيته وتدبير شؤونه.

وحين يُدرك الإنسان أن لله ذاتًا لا يُشبهها شيء، ولا يُقارن بها شيء من خلقه، فإنه في هذه اللحظة يُحقق التوحيد الحقيقي لربوبية الله تعالى، ويشهد بوحدانية ربه دون أن يُشرك به أحدًا في صفاته أو أفعاله. وهذا الإدراك العميق هو أحد الحِكم التي من أجلها خلق الله هذا الجسد البشري، ومنحه تلك الشهوات القوية، ليتوصّل بها إلى المعرفة الحقة بربه.

ومن أوجه النعمة في خلق هذا الجسد، أن الله جعله هشًّا وضعيفًا، يحتاج إلى المأوى، والستر، والطعام، والشراب، ويتوق إلى حفظ النسل عبر تلبية شهوة الجنس، وكل ذلك لكي يُدرك الإنسان مدى حاجته الدائمة إلى خالقه.

وعندما يمر الإنسان بمواقف صعبة أو كوارث طبيعية أو ابتلاءات من صنع البشر، يُدرك ضعفه أكثر، ويجد نفسه في هذه اللحظات يلهج بالدعاء إلى ربه، يستنجد به، ويسأله التيسير والرحمة والنجاة من الشدائد. وفي هذا الموقف، يتجلّى إيمان الإنسان بأن الله هو وحده المدبّر، وهو الرب الذي لا يُشرك معه أحد في ربوبيته.

وعندما يتوصّل الإنسان إلى هذه المعرفة، ويوقن أن الله هو الرب المدبر الذي لا يُشبهه أحد، فإنه يُصبح شاهدًا على أحد أوصاف الله التي وصف بها ذاته، كما جاء في سورة الأنعام، الآية 103:
"
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ"
أي: لا تراه الأبصار، وهو يرى كل شيء.

عندما يدعو الإنسان ربّه مباشرة، يُدرك أنه رغم كونه لا يراه بعينه، إلا أن الله يراه ويسمع نداءه، ويستجيب لدعائه. وبما أن الإنسان مخلوق بجسد مادي، فهو بطبيعته ذو حاجات، ويسعى في الأرض لطلب الرزق والهداية من ربه. ولذلك، لا يقتصر الأمر على الإيمان بوجود الخالق، بل لا بد أيضًا من الإيمان بأن له ذاتًا لا يُشبهها شيء، وأن صفات ربانيته وتربيته لا يجوز إشراك أحد معه فيها. ولهذا، نلجأ إليه وحده، ونتوكل عليه وحده، ونشهد أن "ليس كمثله شيء"، ونشهد كذلك أن "لا تُدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار".

ولهذا، خلق الله الأرض أولًا، هذه الأرض المادية التي وُضع عليها الإنسان في مرحلة متأخرة من الخلق، ليكون ساكنًا فيها.

ثم ننتقل إلى خلق السماوات. عند الحديث عن السماوات، لا بد أن ندرك أن هناك ملائكة في السماوات، ونحن غالبًا ما نفهم السماء فقط من منظور ما تراه أعيننا، من شمس وقمر ونجوم. لكن الله عز وجل يقول في سورة فصلت، الآية 12:

"فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ"

أي: خلق الله السماوات السبع في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها، وهذا يشير إلى وجود "سكّان" في السماوات، أي الملائكة، الذين يتلقّون الأمر والوحي من الله. ثم بيّن أن السماء الدنيا، أي الأدنى من بين السماوات السبع، هي التي زيّنها الله بالكواكب والنجوم، وحفظها.

فالملائكة هم مخلوقات نورانية، خُلقت على الطاعة، ويتلقّون الوحي والأوامر من الله مباشرة. ومن بين أعظم الملائكة: المَلَك الذي يُسمى "الروح الأمين"، وهو الذي أنزل الكتب السماوية على الرسل، وهذا يُعدّ دليلًا واضحًا على أن لله "صفة الكلام"، وأنه يُكلم من يشاء من خلقه.

وبما أن الملائكة خُلِقوا ليُطيعوا الله دون تردّد، فإنهم شهود على أن لله إرادة حرة كاملة، ومشيئة مطلقة، وأمرٌ لا يُرد.

إن آيات العوالم المختلفة تشهد أولًا بأن للرب ذاتًا، ثم يظهر من خلال خلقه علامات تدل على صفاته، ليتوصل الإنسان إلى معرفة ما يملكه ربه، وكيف يدبّر هذا الكون. ولذلك، فإن الخطوة التالية بعد الإيمان بأن لله ذاتًا، هي الإيمان بأنه يملك "الكلام"، وأن في كلامه تكمن أوامره ومشيئته.

فالملائكة هم مخلوقات خاصة، خلقهم الله ليكونوا سكان السماوات، وهم يشهدون أن لله كلامًا، لأنهم يسمعونه مباشرة، ويطيعون أوامره ويحققون مشيئته، ويُعدّون منفذين لما يريده الله عز وجل.

وبما أن كلام الله مقدس، وأوامره ومشيئته كاملة، منزّهة عن النقص، فإن ذلك يدل على أن الله يملك روحًا مقدسة، أي أن له روحًا (بالمعنى اللائق بجلاله) مطهّرة من كل نقص. والملائكة، بما فيهم "الروح القدس"، وهو المَلَك الجليل جبريل، خُلقوا بصفات تامة، لا يخطئون، وهذا ما يجعلهم علامة وشهادة على أن الله نفسه منزّه ومقدّس وخالٍ من أي عيب.

وقد سمّى الله جبريل عليه السلام بـ الروح القدس، لأنه يُجسّد في خلقه صفة القداسة التي هي من صفات الله، فهو من دلائل قدسية روح الله ومشيئته.

وبالطبع، الإنسان أيضًا قد خُصَّ واختير من الله، فإذا آمن بأن لله ذاتًا، يمكن أن يُرشده الله إلى قبول تعاليمه وكلامه، ويخضع لأوامره، ويتبع مشيئته. ومن خلال اتباع أوامره التي جاءت في كلامه – ككيفية عبادته، والتمييز بين الحلال والحرام، والحق والباطل، والخير والشر، والسعي نحو حسن الخاتمة – فإن روح الإنسان يمكن أن ترتقي وتتطهّر، حتى تصل إلى مستوى القداسة التي يتميز بها جبريل عليه السلام، ساكن السماوات العليا.

إذا لم ينظّم الإنسان حياته وفق أوامر الله وإرادته التي جاءت في كلامه، فلن يتمكن من تلقي الهداية، ولن تسمو روحه، ولن تتحول نفسه إلى نفس صالحة، بل لن يبلغ حالة النفس المطمئنة. فكيف يمكن للإنسان أن يبلغ الحالة الروحية الطاهرة التي وهبها الله لعباده؟ إذا لم يصل إلى هذه الحالة، فلن يستطيع أن يشهد حقًا أن الله يُوحي إلى عباده.

أما من سمت روحه وتطهّرت نفسه، فلن يكتفي فقط بمعرفة أن الله يملك صفة الكلام من خلال وحي الأنبياء والرسل، بل قد يُكرمه الله بأن يُوحي إليه مباشرة، ويمنحه إلهامًا من لدنه. فهؤلاء الذين بلغوا صفاء الروح والنفس المطمئنة، يُصبحون تجليًا لصفات الله المقدسة، ويكونون آيات دالة عليه في خلقه.

ومن خصائص هؤلاء العباد: أن دعاءهم يُستجاب، لأنهم ابتعدوا عن الذنوب، وكانوا على طهارة في النفس والنية. وحين يُستجاب دعاؤهم، فمَن الذي يستجيب لهم؟ إنه الله، الذي يملك صفة الكلام، رب العالمين، هو من يجيب دعاءهم بكلامه وقدرته، ويمنحهم نتائج حسنة.

وهؤلاء العباد يشهدون بأرواحهم الطاهرة أن الله حقًا يملك صفة الكلام، وأنها لا يُشارك فيها أحد. فرب العالمين، ومالك المُلك، يهدي الناس بكلامه، ويتيح لهم من خلال وحيه أن ترتقي أرواحهم وتصبح طاهرة مقدسة، فيكون الإنسان نفسه آيةً من آياته.

الله تعالى هو القدوس، ومشيئته وأمره لا يُردّ، وهو الملك، ملك الملوك، وهو مالك يوم الدين، يوم الجزاء.

ولا يمكن للإنسان أن يشهد على هذه الحقيقة، إلا إذا آمن بأن هذا العالم سيفنى، وأنه سيُبعث من جديد. فمن آمن بيوم البعث، آمن بأن الله هو وحده من يملك سلطان التصرف في ذلك اليوم، وأنه المتفرد بالحُكم فيه.

ومن نظّم أقواله وأعماله بكلام الله، فإنه في يوم الحساب، عندما يُسلم إليه كتاب أعماله، سيتلقاه بيمينه، لأنه اتبع في حياته أوامر المتصرّف الأعلى – الله – الذي يهدي بكلامه، ويُجازي بعدله.

في سورة "ص" يقول الله تعالى: إنه لم يخلق السماوات والأرض عبثًا، ليس باطلًا، أي لا يوجد فيها أي عنصر من عناصر البطلان أو العبث. عندما يقرأ الإنسان هذه الآية الدالة على قدرة الله، يجب أن يستلهم منها الهداية، وأن يعمل على تزكية نفسه وتهذيب روحه، وأن يرتقي بنفسه ليبلغ صفات الطهارة والسمو، ولا يكون ذلك إلا من خلال التعلم من كلام الله، الذي يحوي الحق المطلق، ليتحقق له الشهود بأن الله سبحانه يملك روحًا مقدسة.

جميع المخلوقات من بشر وملائكة ما هم إلا آيات دالة على خالقهم، ولا يجوز أن يُشرك بهم. وكل هذا يتم على مراحل وخطوات، أولها شهود أن الله له ذاتٌ حقيقية، والإيمان بالبعث. والإيمان بالبعث في حقيقته شهادة بأن الله موجود وله ذات حقيقية. ولهذا فإن تسلسل الخلق في أن الله خلق الأرض أولًا، ثم السماوات، له دلالة عظيمة.

والآن ننتقل إلى دلالة أخرى وهي أن الله بعد أن خلق الأرض والسماء، سطح الأرض ومهّدها. فقد فسر العلماء قوله تعالى في سورة البقرة الآية 29: أن الله خلق السماوات بعد أن خلق الأرض، ثم بسط الأرض لاحقًا. واستدلوا على ذلك بآيات سورة "النازعات" من الآية 30 إلى 32:

30. "وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَا"
31. "
أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا"
32. "
وَٱلْجِبَالَ أَرْسَىٰهَا"

وقد فسر العلماء هذا بأن الله تعالى، بقوته، أخرج ما في الأرض من مياه وأرزاق، وبعد أن أتم تصوير كل شيء فيها، بدأ في خلق السماوات، ثم بسط الأرض لتكون صالحة للحياة والمعاش.

وفي الآية 22 من سورة البقرة، يقول الله تعالى:

"ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"

أي أن الله جعل الأرض فراشًا ممهّدًا، وجعل السماء بناءً محكمًا، وأنزل من السماء ماءً، وأخرج به من الثمرات رزقًا لنا. ولذلك، لا يجوز أن يُشرك به أحد، عن علم.

يقول الله تعالى: "جعل لكم الأرض فراشًا"، وهذا الامتنان من الله بتمهيد الأرض لنا هو آية عظيمة تحمل في طياتها دلالة واضحة ينبغي أن نشهد بها. عندما نُمعن النظر في قول الله في سورة "الدخان" بأنه لم يخلق السماوات والأرض لعبًا، ندرك أن الإنسان الذي جُعل على هذه الأرض إنما خُلق لهدف عظيم، والتمهيد الذي منحه الله لنا في الأرض هو لأجل القيام بمهمة عظيمة، وهي: عبادة الله.

فرب العالمين، مالك الملك، له صفة جليلة وهي أنه الإله المعبود، ولا إله غيره. وهذا المعنى لا يتحقق إلا بأن نعبده وحده ونشهد بذلك. نحن نُصبح آية على أن له صفة الألوهية، حين نعبده، ونفرده بالعبادة، ونُظهر له الطاعة.

وفي الآية السابقة مباشرة لقوله: "جعل لكم الأرض فراشًا"، يقول الله تعالى:

"يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"
[
البقرة: 21]

أي أن الله يطلب منا أن نعبده لننال التقوى. وبعد أن ذكر أنه جعل الأرض فراشًا، أكمل الآية بقوله:

"فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"

أي أنه لا يجوز لنا أن نشرك به في العبادة، لأنه هو الإله الواحد المستحق للعبادة.

أما عن كيفية عبادته، فقد اختار لنا الدين الذي يرتضيه، وحدد لنا أركان العبادة التي تشمل: الشهادة، الصلاة، الصيام، الزكاة، والحج، وهي سبل نعبده من خلالها.

الله مهّد لنا الأرض ليسهل علينا العيش والكسب، فإذا بنا بعد أن نحقق الكفاية من الماديات، نُفرغ وقتًا ونيّةً لعبادته، فنُصبح بذلك آيةً شاهدةً على أنه وحده المستحق للعبادة. أما من اغترّ بالرخاء والترف ولجأ إلى اللهو واللعب وترك العبادة، بل لم يقبل حتى رسالة الله، فهو من الجاحدين لنعم الله.

لا يمكن للإنسان أن يعرف ربه حق المعرفة إلا إذا عبده عبادة خالصة لا يشرك فيها أحدًا معه، فعندها يدرك أن كل ما في الكون من مخلوقات تتصف بصفات حسنة أو خصال كريمة، ليست إلا آيات ودلالات على خالقها، ولا يجوز أن تُعبد، لأنها ليست سوى آيات على الله.

ذلك لأن الدين الذي شرعه لنا ربنا يتضمن أُسسًا للجزاء والمكافأة، فمن يعبده ويطيعه، ينال منه جزاءً عظيمًا، ليس فقط الجنة وما فيها من النعيم ورضا النفس، بل أيضًا ينال رؤية ربه. فالله جل جلاله له ذات لا تُشبه أي شيء، وله صفات وأسماء حسنى، ويمنّ على عباده الذين عبدوه حق عبادته بأن يمنحهم شرف رؤيته في الآخرة، وهذا من أعظم النعيم. ونحن حين نعبده في الدنيا بصدق، نُظهر بذلك إيماننا وشهادتنا بهذه الحقيقة العظيمة.

لذلك، خلق الله السماوات والأرض بالحق، وخلق الأرض أولًا، ثم السماوات، ثم بسط الأرض ومهّدها، وجعل من كل ذلك آيات ليتأملها الإنسان ويشهد بها على عظمة ربه. خلق الأرض أولًا، لأن ذاته لا تُشبه شيئًا، ثم خلق السماوات ليشهد الإنسان من خلالها أن له ربًّا يتكلم، له كلامٌ منزّل من فوق سبع سماوات، أنزل وحيه إلى البشرية.

ثم بسَط الأرض، ليوفّر للإنسان حاجاته، ويسهّل عليه طلب رزقه، حتى يتفرّغ لعبادة ربه، ويستثمر وقته في طاعته، ليشهد بذلك أن لربه ذاتًا وأسماءً وصفاتًا، ويُقر إيمانًا بلقاء ربه، ورؤيته في الآخرة.

وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذا الموضوع. فإن كان فيه خطأ في التعبير أو عدم وضوح في البيان، فأسأل الله العلي القدير أن يغفر لي، وأرجو من الإخوة والأخوات الكرام المعذرة. جزاكم الله خيرًا على حضوركم ومشاركتكم.

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلتي من الصين الى الاسلام

دروس سورة الفاتحه (4) "رَبِّ الْعَالَمِينَ" — سر العوالم وشهادة الخلق بوحدانية الله

دروس سورة الفاتحه (1) الاستعاذة بالله – درع المؤمن ضد الوسوسة والانحراف